GuidePedia

0


فعلُ الإيمان والشك 
أودُّ لو أغوصُ مع قارئي الحبيب إلى أعماق النفس فأستكشف أغوارها وأتلمسُ قاعها علَّني أتعرف إلى كنهها وماهيتها ....
وأوّلُ سؤال أطرحه على نفسي :هل أنا أومن فعلاً وحقيقةً بوجودِ كائنٍ إلهي؟ وهل فعلا وحقيقة أنَّ هناك خالقا لهذا الوجود اللامتناهي والامحدود ؟
أم انَّ هذا الكون لا بداية له ولا نهاية ؟ هل هو أزلي أبدي تسيِّرُه قوانين كامنة في خصائص الكون الذاتية دونما حاجة إلى محاولة إقحام كائن خارج عنه ينظمه ويفعل فيه .....
فقولنا بأزلية وأبدية الكون الفيزيقي وعدم حاجته إلى كائن خارج عنه يتعارض مع قانون التغيُّر الذي نراه فاعلاً في الكون لأنه لو كان أزليَّاً فبوجود هذا التغيُّر والتبدُّل كان يجب أن يكون قد وصل إلى درجة الانتهاء الكامل من كل حاجة إلى التغيير والتبديل ...فالتغيّر والتبدل يحملان معنى النقصان وعدم الكمال "فهذا التغيّر والتبدل والتلاشي والاضمحلال وعودة التكون من جديد يُستشف من كل هذا عدم استقرار الكون وعدم الاستقرار يعني النقصان وعدم الكمال وهذا يتعارض مع أزلية وأبدية الكون ...
ألم يحن الوقت بعد لينتهي الدور والحاجة للتغيُّرات والتبدلات الطارئة على الكون ؟؟ أليس هناك تعارض بين ما يُلاحظ من نقصان وتلاشي في حجم وطاقة بعض الكواكب والنجوم مع فكرة أزلية الوجود؟؟؟
نقول انَّ الطاقة ثابتة وهي تتلاشى في شكل لتتكون في شكل آخر وهذا يعني أنَّ الكون أزلي ولو أخذ أشكالا متعددة ...وهنا نقول :أن الطاقة هي التي يمكن ان تكون أزلية ..فهي ربما تكوَّنتْ منذ الأزل وتتشكل بأشكال متعددة عبر أزلية وأبدية الزمان .ولكن ان نقول أن كوننا الفيزيقي المُشاهد والملموس هو أزلي أبدي فهذا غير صحيح لأن التبدلات والتغيرات الطارئة على الكون تعني ان الكون غير أزلي أبدي بشكله الملاحظ والمُعنى لنا ولهذا العقل المفكر .......
لو قلنا ان الطاقة هي الأزلية الأبدية فهنا نسأل :
1 _ما هي الطاقة ؟ والى الان لم يُعرف سر الطاقة وماهيتها ونترك هذا البحث ..
2 _كيف يمكن للطاقة أن تتشكل وتعطي أشكالا ً منظمة يُستشف منها الغائية والقصدية الواعية إذا لم تكن هذه الطاقة تحمل وعياً أو يوجهها وعيٌ خارج عنها ؟؟
كيف تصبح الطاقة شمساً هنا وأرضاً هناك وقمراً هنالك ؟ كيف تصبح نباتاً وحيواناً وإنساناً عاقلاً واعياً لذاته وللكون ؟ هل هذه الطاقة تحمل وعياً بذاتها فتصبح هي الله الذي يتشكل ويتبدل بفعل قانون الذاتية الواعية ؟ أم 
أن هذه الطاقة ليست إلاَّ قدرة كائن لا يُدرك إلاَّ من خلال هذه القدرة القابلة للتشكل والتبدل بحسب قانون مشيئة ذلك الكائن المتواري والمتخفِّي وراء هذه الطاقة القدرة ؟؟ 
إن التبدلات والتغيرات الطارئة على الكون الفيزيقي لو كانت عشوائية غير 
قاصدة وهادفة لأدَّتْ إلى تزعزع نظام وقانون الوجود الفيزيقي ,ولكن كونها قاصدة وهادفة ونازعة إلى التطور والتقدم نحو الأرقى والأفضل فهذا كله يعني أن هناك وعياً كونياً خارجاً عن "الطاقة القدرة "يوجه ويضبط كل هذه التغيرات بما يخدم مخططاً كونيا عاما ومشيئة كونية عامة ....
إذاً لا يمكن لهذا الوعي أن يكون كامنا في الطاقة القدرة وخاصة أن من تجليات هذه الطاقة القدرة الوعي الذاتي لدى الانسان ...الإحساس بالذاتية والشخصانية الواعية ...فهذه الذاتية الشخصانية الفردانية الواعية تجعلنا نتلمس ونستشف تعارضاً بين لا تخصصية الطاقة ولا فردانية جزئياتها وبين تخصصية وفردانية وشخصانية الوعي الذاتي لدى الكائن الإنساني ..
من هنا يمكننا ان نقول جازمين :أن الكائن الإلهي موجود ومتواري وراء الكون .. وما الكون الفيزيقي سوى تشكلات الطاقة التي تعبِّر عن مشيئته 
من خلال فاعلية قدرته بتشكيل الطاقة وتغيُّرها عبر أزلية أبدية الزمان ...
إذاً لا مناص ولا مفرَّ من الإيمان بوجود كائن إلهي وإذا كنا لا نستطيع أن ننتقل من مستوى الإيمان إلى مستوى إدراك ومعرفة الله فذلك لأننا لا نستطيع أن نخترق تشكلات الطاقة لنصل إلى القدرة ثم نخترق حواجز القدرة المتواري خلفها الله لنصل إليه ونعرفه .... 
فما دمنا بطبيعتنا الفيزيقية فمن المحال علينا أن ننتقل إلى المستوى الإدراكي المعرفي وهذا هو سبب ضعف الإيمان والشك الذي نحن فيه ونعيشه .. فالشك فعل واقعي صادر عن عجزنا من اختراق حدود الفيزيق لمعاينة الله والانتقال من الإيمان إلى المعرفة ...ولكن فعل الشك لا يلغي فعل الإيمان أو يخطِّئه بل يدلل عليه فلولا فعل الشك الصادر عن آلية عدم المعاينة الحسية لما كان هناك آلية إيمان .. فآلية الإيمان تبرر وجود آلية الشك ...... 
والإيمان بغير المُشاهَد وحتى في المستويات الحياتية الحسية الوضعية يخلق وتصدر عنه مباشرة آلية الشك ...فالإيمان والشك متلازمان ويبرر كلُّ واحد منهما وجود الآخر .. وهما آليتان فكريتان يدلِّلان على صحة العقل وسلامته ...
إذاً أنا أُومن بالله إيماناً مطلقاً وإنْ كنت أحمل في طيات هذا الإيمان شكاً مبرَّراً ما دمت في كفن التراب ...وعلى هذا الإيمان المطلق بوجود كائن إلهي تقومُ أمورٌ كثيرةٌ عسانا نلتقي ونتناقش ونتبادل الآراء حولها ......
حكمت نايف خولي

إرسال تعليق

 
Top