قصتي الفائزة بالمركز الثاني في دار انسان للنشر في مصر
ويبقى الحب
بعد علاقةِ حبٍ دامت أربع سنوات انقلبت حياتهم فجأةً رأساً على عقب فقد حماسته للحياة والأشياء وزاد صمته لم يعد يحاور زوجتهُ كما اعتاد فاستبد بها قلقٌ عليه بدأ يغيبُ عن البيت ساعاتٍ طويلةٍ حتى وقتٍ متأخرٍ من الليل وعندما تسألهُ يجيبها بعدم اكتراث ثملاً كعادتهِ كلَ ليلة , علاقاتهُ الغرامية كانت لعبة غير نزيهة . وجدت نفسها مُحطمة , مُشتتة الفكر , غاربةٌ عن الذهن , تجلس ُ وتمسكُ القلم وسط هذا الحطام وكأنها على قابَ قوسين ِ أو أدنى من الموت , كعاشقٍ أضنى الهوى فؤادهُ , وأحرقَ الحبُ قلبه , كفراشةٍ ضلت الطريق بينَ أفكارٍ لا حصرَ لها , كانت تحتاجُ إليهِ كي يُهديها مشاعر وأحاسيس لتواجه انكسارات الروح . وفي يومٍ أحسَ بمعاناتها وقالَ لها : أتودين معرفة ما ألمّ بي ؟ على مدى أكثر من شهر وأنا أترددُ في اطلاعك على مشكلتي ! اهتمامكِ بعملكِ وانشغالكِ عني بأمورِ المنزل أخذَ من وقتكِ الكثير مما جعلَ الفجوةَ كبيرةً بيننا . أحياناً يحدثُ للغةِ أن تكونَ أجملَ منّا بل نحنُ نتجملُ بالكلمات نختارها كما نختارُ ثيابنا حسب مزاجنا ونياتنا . فكرت مع نفسها أن تحافظ على مسافة الأمان بينها وبين زوجها حاولت أن تُطبق إحدى الطرقِ الحديثةِ بتجميل عيوبهِ أنها واثقةٌ أنها ستكسبُ الرهان وتحولهُ إلى فارسِ زمانه كانت تفكر بمنطق المعلمة وهو يعلم أن الأنوثةَ إيقاع وأن هذهِ المرأة تُراقصُ روحهُ عرضت عليه فكرت السفر إلى خارج القطر لتقرب المسافات وافقَ وحبذَ الفكرة حزّمت الحقائب وتهيئا للسفر , وعند صعودهم الطائرة أمسكت بذراعه وجلسا جنباً إلى جنب شعر بسخونة يدها وتلذذ بها صعقهُ الارتخاء والحب الجارف الذي تكنهُ لهُ ,همسَ في أذنها أحبكِ. _أتذكرين أيام زمان _ذهبت بكل جميل - ثم في شبه غمغمة - ولكن علينا أن نعيش - جميل أن يجد الإنسان حبيباً يُقاسمهُ وحدتهُ - ما أجمل أن نوضع في متحف جنباً إلى جنب ولكن عديني أن لا تموتي قبلي . - ما أجمل هذه الصورة النابضة للشباب - أحست أنهُ قد تغير تماماً - لماذا يعذب الناس بعضهم البعض , ولماذا يتقدمُ بنا العمر ؟ أحست وكأن الأيام تعود بها إلى الوراء ,تذكرت العلاقة الحميمة -كيف تجدين ما فيَّ وأنكِ تعلمين أنكِ فيَ؟ أما أنا فأجدُ كل ما فيكَ حلواً لأنَ طعمهُ حلوٌ في قلبي ! وعندما نظر من نافذة الطائرة كان ازدهاء الشفق بألوانهِ كأنهُ صورةٌ جديدة في الخلق عُرضت ليراها أهل الأرض أحسبني على مرمى السهم من جنةٍ في السماء فتحت أبوابها ولاحت أطراف أشجارها . -وعندما أبصركِ أنتِ , أوقن أن الحسنَ المعشوق ما هو إلا منالُ الجنةِ الأخروية ينالهُ من الدنيا إنسان في إنسان ! كانت تستعجل للوصول حتى أنها فشلت في معرفة طريقة استعمال سماعات الموسيقى وطريقة تغيير الشاشة المقابلة لها التي كانت مثبتة على بث مسار الطائرة والوقت المتبقي للوصول لأنها لم تسافر كثيراً , وفي هذه الأثناء حدث عطل في الطائرة اهتزت المقاعد مما أدى إلى ذعر الركاب وصراخ الأطفال رغم أنه لم يكن متدينا غير أنه أكثر من الصلاة بصوت خفيض في البداية وعندما سقطت الطائرة صلى وكأنه يصرخ تمسكت به شعرت أن هناك أحد يرشدهم لا تتوقفوا عن التحرك انتشل زوجها طفلاً وأعطاهُ إلى أمه وقالت له علينا الانطلاق همي الوحيد أعبر الممر كان الكثير من التدافع حيث لم تعد قادرةً على تجاوز المقاعد رأت امرأةً تحمل بين يديها طفلاً تبدو مذعورةً الجميع يتخطاها الأمرُ يُشبهُ البقاء للأقوى رأت أشخاصا يمشون على المقاعد أول مرة تشاهد هذا المنظر أدارت بنظرها إلى الوراء ورأت تلك المرأة تصرخ فكرت قليلاً وقالت إن لم أساعدها فلن أنام بعد الآن عادت إليها ورأت زوجها يقف لمساعدتها في تلك اللحظة حملوها فقد فقدت وعيها بين يديهم يائسة والدم ينزف من جسدها , ووسط رعب وهلع الركاب وقعت الطائرة في البحر. قال لها زوجها : اسمعيني اخرجي من هذه الطائرة كان الناس يتزاحمون أمام الباب تدافعت معهم كالقطيع لم تر غير الفوضى كان البرد قارساً والطائرةُ تغرق ومن الممكن أن يندلع حريق وشعرت بحركةٍ ورائها كان الأمر يُشبه التعثر بالوحل , كان الماء بارداً وثقيلاً . قالت له : ماذا أفعل هل أعودُ إلى الجناح ورأى شخصاً يحاول السباحة إلى الساحل قفز بمهارة وخفة وهو يمسك ُ بيدها حاول الإمساك بطرف القارب انتشلها تعثرت وسقطت في الماء ولم تشعر بأطرافها بعد ذلك من شدة البرودة وإلا ستغرق سحبها واحتضنها بكلتي يديه , كان الناس يتزاحمون والحل الوحيد هو الوثوب فوق الجناح وبدأ الجميع الصعود الواحد تلو الآخر والطائرة على وشك الغرق ومات عدة أشخاص فنحن بشر ولدينا أحلام وفجأة توقفت هذه الأحلام . أكثر من التحديق في ما حولهُ أفزعتهُ الظلمة وعتمة البحر لم يشعر بخوائهِ ونقص همته قال : ربنا رحيم دائماً ( وهكذا عادَ إلى أدميته ) كل ما عاناهُ في ليلةٍ باردة تدل منها البراهين أنها كارثة واللهُ رحيمٌ دائماً . ونجا الجميع إلا القليل لقي حتفه . هي مقتنعة أن الأمر معجزة . وفي طريق عودتهما إلى البيت همسَ في أذنها شعرت بقوة تشدها إليه قال لها : تمنيت أن أردد على مسامع الواقفين وأصرخ بأعلى صوتي { أحبكِ }. كانت ترتجف وهي تبوح إليه كنبي يوحى إليه , وقوس النهار يتساقطُ على صدرها بانفراج بسمةٍ غسلت وجه البحر وتفرست بوجهه ملياً حبيبي : علَنا لا نفيق أجابها : أنا معكِ ففي لحظةٍ من العمر تحتاج بشدة أن تسمع هذه الكلمة ,أذن لنتقبل ثمرات من نعيش معهم . بعد مرور تجربةٍ كهذه كانت لهم كالهزة عاد كلٌ منهم إلى وعيه واعترف بخطأه قال : سأكونُ زوجاً مثالياً قالت : سأكون زوجةً مثاليه وأماً فاضلة ونظر إليها ونظرت إليه فكانت نظرات وقبلات وغفا على مداعبة خصلات شعرها الكستنائي الجميل وفي داخلها ابتسامة رضا بأن تحمد الله ببقاء الحب وديمومته مما زادها عشقاً وتعلقاً به سرحت كثيرا بخيالها ودمعت عيناها وفي ذهنها صورةٌ واضحة للمستقبل ولكنها لا تستطيع أن ترسمها بالألفاظ . قالت : الحمد لله إن ما تمطرهُ السماء إجابات للتضرعات والابتهالات والرياح التي مزقت علاقتهم والشرخ الذي كان بينهم رتقتهُ بحكمتها وأدركت أنها كانت مخطئة كل ما كان من رعبٍ وهلعٍ وخوف كانت مفاتيحُ فرج , هؤلاء هم معشر العشاق يعرفون أينَ المسير ويعرفونَ أينَ يضعون أقدامهم لينتصرَ الحب .
سعاد محمد الناصر
سعاد محمد الناصر

إرسال تعليق