قطار الحياه
تخرج من نفق العدم بلا وعي ، يختطفك قطار الحياه ، يقلك دون استئذان ، تنظرمن حولك ، واذا تذكرة المرور معلقة على كتفك دون أن تشعر ، بدأ سريان مفعولها منذ تلك اللحظه ، ولا تدري متى تنتهي مدتها !!! لقد دخلت جوف القطار عنوة ؟؟؟ تتتفرس يمينا وشمالا وفي كل الاتجاهات --- ازدحام ، حركه مستمره ، ثرثره ، هياج ، صراخ ، ألم ، غناء ، فرح ، موسيقى ---- مشاعر وأذواق مختلفه ، وافعال وأقوال متنوعه ---
تتجول داخل عربات القطار ، تبحث عن مقعد مريح ، تجد : مشاجرات ، عويل ، صراخ ، ازدحام شديد ، كل يريد المقعد لنفسه !! ويفوز بالمقعد ذو الجثة الضخمه . يجلس ويضع كفيه على جانبي رأسه مادا رجليه باسترخاء ، فلا يريد أن يسمع أو يرى أو يتكلم او يحاور – على الجانب الآخر رجل مقطب الجبين يقرأ الصحيفة ، ويطلق زفرات الحزن والأسى ويتمتم : قطار يتحكم في ركابه الأقوياء !!!
تنظر نحو نافذة العربة الثانيه : شاب يتدلى برأسه من على حافة النافذه ، يجول بأفكاره يمنة ويسره ، ثم يلقي بجثته للخارج لقد فاض به الكيل ؟ فيلفظه القطار أم هو الذي لفظ القطار ؟؟؟ لا أحد يلقي بالا !!!
في الزاوية الأخرى من العربة الثالثه شاب يداعب أوتار العود بأنامله وهويردد :-
ومن لم يعانقه شوق الحياة تبخر في جوها واندثر !!
في العربة الرابعه ، امرأة ترفع كفها للسماء ، وتدعو الله أن يسير القطار برفق وأناة وبلا صخب ، كي تعيش لترى احفادها وهي على قيد الحياه !! لكن القطار يواصل سيره بنفس الوتيرة والرتابه !!! ، والى جانبها شيخ يلقي موعظة عن اسلوب الحياة الأمثل حسب رؤيته ، ويعطي المواعظ والفتاوي !!، وهو يتساءل : اتدرون ما هي الحكمه ؟ وكيف يمكننا ان نعيش سعداء في ظل قوى الاستكبار والظلم ؟، واين نجد الراحه ؟؟ وهل في هذا القطار مكان للحق أو الخير او للعدل او الحرية او الجمال ؟؟
شاب يمسك بيد خطيبته ويسمعها عبارات الغزل الرقيق ، وعيون البعض من المتطفلين تلاحقهم -- ينتهكون خلوتهم !!
مجموعة يثرثرون بصخب واضح حول اسعار الاسهم والسندات والعقارات والذهب ، واخرون ينزوون في احد الزوايا ، يتهامسون ويتآمرون ، يخططون للكيد بالاخرين وسلبهم والعدوان على حقوقهم !!!
أصناف مختلفه من البشر، واهتمامات مختلفه ، ومنافسات شريفه واخرى ليست عفيفه ، صراع من اجل البقاء ، فلا رقيب ولا حسيب الا من قلة من اصحاب الضمائر من الأفراد ، تحاول ضبط الامور المنفلته على قدر استطاعتها ، ولكن هيهات ----
تتفرس في الوجوه بتعبيراتها المختلفه : بعض الوجوه تتحفز للوصول الى أهدافها ببشر وأمل وتفاؤل ، تتمنى السيرالسريع وتنظر بشغف للأمام --!!
ووجوه جامدة لا يهمها ان توقف القطار أم تحرك ، لا مبالاه !! ---
ووجوه تنظر للخلف ، وتلقى زفرات الندم على ما فات ، تعيش مع أحلام الماضي وما فيه من اوجاع ، شعور مميت يكاد يموت صاحبه وهو يتحرك --
تنظر في بعض العربات ، فترى توابيت خشبية محملة على الأكتاف ، تلقى بجثث من فوقها من النوافذ بلا رجعه ، وتسمع من حولها العويل والبكاء ، وأسرة ناعمه تتلقف من النوافذ الأخرى من يدخلون ثنايا القطار من الاطفال ، وحولهم باقات الزهور، والابتسامات على الوجوه !!!!
والسؤال الذي لا يجد الاجابه : ترى متى وكيف وأين نغادر هذا القطار ؟ قطار الحياه !! وهل اتقنا دورنا في الداخل قبل المغادره ؟؟ ونتساءل ؟
هل حاولنا اصلاح ذات البين وفك الاشتباك بي المتخاصمين ؟؟؟
هل أيدنا جانب الحق والعدل ومارسنا دورنا بايجابيه داخل هذا القطار ؟؟
هل وقفنا ضد الظلم والظالمين والفساد على قدر قدراتنا وامكاناتنا ؟؟
هل وضعنا يدنا على رأس يتيم يبكي ! غادرت والدته القطار فجأه ؟؟
هل مددنا أيدينا لذاك الذي كان يتدلى من النافذه ، قبل أن يلقي بنفسه للخارج منتحرا ؟؟
هل وضعنا كسرة خبز في فم ذاك الذي كان يتلوى جوعا ؟؟؟
هل قلنا لمن سبب لنا الازعاج : شكرا يا هذا ، نسامحك على ان تتوقف عن هذا الازعاج !! ؟؟
هل أمنا على دعاء تلك العجوز ؟ ، وهل استمعنا الى محاضرة ذاك الشيخ ؟ وهل اي منا استطاع ان يجيب على استفساراته او فكر فيها ؟؟
هل قلنا لمن يتلاعبون باقدارنا في القتل والدمار والتهجير ؟؟ كفى ؟؟ !!!
وهل وهل وهل ------
وباختصار شديد كيف قضينا مدة اقامتنا في رحلة هذا القطار !!!؟؟؟ فهو قطار لا يتحرك للخلف !! ما زال متسع من الوقت لمن بقي في هذا القطار حتى اللحظه !
( نواف الحاج علي )

إرسال تعليق