- ( السيد الرئيس..)
- عندما وصل في ساعة متأخرة من الليل الى باب الفندق، الفندق يسكن فيه منذ سنوات، شعر بالتعب والاجهاد، بات يتنفس بصعوبة. نظر الى السلم، قال مع نفسه: كيف الصعود والوصول الى غرفتي؟. أتكأ على احد فردتي الباب المفتوح على مصراعيه كي يستريح ويستعيد بعضا من قوة جسده والذي بدأ في الفترة الاخيرة يخونه. واخذ يتنفس بعمق وهو يجول بعينيه على الطريق الخالي من المارة والسيارات في هذه الساعة من الليل. بعد دقائق استراح وعاد إليه نشاط جسده الى حد ما، لذا شد عزمه وصعد. قدام عتبة باب غرفته بالكاد كان يتنفس على الرغم من انه كان ياخذ دقائق من الراحة بعد كل درجتين او ثلاث. فتح الباب ودخل. حاول ان يغمض عينيه، أراد أن ينام، لكن النوم جافاه. كان سكون الفندق يثير فيه الكثير من الهواجس والخوف من الليل والوحدة الموحشة. احس بالصمت كائن مرعب يتجول في ممرات الفندق، يدخل الغرف من غير ان يفتح الباب، ويوزع الرهبة على القاطنيين في الغرف وبالذات من كان منهم لم ينم حتى هذه الساعة، يفكر بأمرما سبب له القهر كما هو في هذه اللحظة يرزح تحت كم هائل من القهر، لم يكن في أمكانه ان يستوعب ما حدث في حينها قبل عقود مضت، لم يتفهم او يهظم تناقضات ذلك الحدث الذي غير مجرى حياته واثر تاثيرا بلغيا فيها، فقد دفع دفعا تحت ضغط الخوف على حياته، الى العيش بسرية وتخفي، صار يتوجس من سطح الشارع الذي يمشي فيه او من جدران المباني وهو يسير بمحاذاتها. هكذا فكروهو جالس على الكرسي الكائن عند رأس السرير، ينظر الى السقف وفضاء الغرفة والمنضدة الصغيرة التى أمامه وما عليها من كتب ودفتر يوميات واوراق مبعثرة وقلم او قلمان فوقهما. فجأة كما في كل مرة، شعر بالاوجاع في جميع اعضاء جسده وضيق وألم مبرح في صدره، كأن سكاكين تشق عظام صدره، حتى الهواء تحول الى طائر هارب، يحلق بعيدا عن مناخيره. يداه ترتجف وهو يسحب حبة صغيرة ثانية، تناول الاولى عندما خرج من المقهى، قبل ساعات، من علبة هي الاخرى صغيرة، دسها تحت لسانه، ثواني واحس بشيء قليل من الراحة، لذا تيقن بأن جسده، بدأ يوغل في خيانته. لام نفسه بادمانه في الفترة الاخيرة على الذهاب الى هذه المقهى البعيدة عن الفندق. رغم الألم المميت الذي يخشاه اشد الخشية فقد ياخذه من هذا العالم المحبب له، على الرغم من ثقل الهم فيه والمأساة، تبسم وبصوت داخلي قال: جميع ما في هذه المقهى جميل، روادها، الندل، والشارع المقابل لها، الحوارات بين الزبائن مع اني لم اشارك فيها، لكني في مرات استمع لها بشغف ومرات انشغل عنها بهمومي. في هذا اليوم، في وقت ما بعد الغروب، كنت قد اخذت مكاني كما هي عادتي في كل مرة ادخل فيها الى هذا المقهى، قبال الواجهة الزجاجية، انظر الى الطريق، حركة سريعة للسيارات والمارة. لم اشغل تفكيري بما كان يدور من حوارات ونقاشات، بأصوات خفيضة، بين زبائن المقهى، لكنها مع ذلك، تصل اليَ بوضوح تام بسبب الهدوء والسكون. هناك، في الداخل مني، في تلك اللحظة، حرائق تستعر. مر عليَ، ثقل العمر في لحظة؛ رأيت ما رأيت، لكني، لم اجد نفسي او اني تهت عنها، مجبراً، في دروب الحياة. في النهاية، لم اخرج بشيء ذات قيمة. بهذه الطريقة كان يتحدث مع نفسه. تساؤلاته في هذه الليلة، سلبت منه النوم والراحة. : لماذا حصل ما حصل؟!. عندما نطق لسانه بهذا السؤال وبصوت مسموع بل بصوت عالي النبر من شدة الألم، ألم النفس، الى الدرجة التى رددت صداه جدران الغرفة، كان اختناقه الذي خف قليلا قبل لحظة، قد زال الآن تماما، شعر بالارتياح. استقرت نبضات قلبه وتنفس بهدوء وسكينة مع ان جسده استمر في وهنه وضعفه، وروحه لم تنط من قاع بركة مياه الوجع، التى اجبرته مرة اخرى على فتح النافذة المطلة على الطريق والرصيف وواجهة المقهى الزجاجية، هناك، قبل هذا الحين، قبل ساعات، فقد وقفت سيارة فخمة حديثة، امام باب المقهى في الجهة المقابلة له، نزل منها رجل فارع الطول واتجه الى المقهى، عندما دفع الباب الزجاجي ودخل، اقشعر بدنه ووقف شعر رأسه، أنتظر إذ ان الرجل اتجه إليه.
- - مرحبا
- - اهلا وسهلا
- - ألم تعرفني
- حدق قليلا في هذا الذي وقف فوقه بغته؛ من يكون؟!، هل من المعقول ان يكون هو!؟.. سأل نفسه. الرجل الآخر كان أنيق المظهر في غاية التنهدم وتظهر على ملامحه، الراحة وعلامات النعمة، ظل الرجل ينظر إليه، ينتظر الاجابة. لم يتفوه بكلمة. مرت ثواني وربما نصف دقيقة او اكثر قليلا او اقل قليلا من الصمت والاندهاش. خلال هذه الدقيقة جاءت الصور راكضة بسرعة مذهلة وبوضوح على اجنحة الزمن وهي تعبر السنوات من عمق الذاكرة كأنها حدثت الأن وفي التو.. كان يقرأ في رواية السيد الرئيس. يقرأ في اندماج تام مع احداث الرواية، كان وهو يقرأ، يعايش ألم الشخصيات المحورية ويرسم في فضاء خياله معاناتها ومقدار القسوة والظلم الذي تتعرض له ودرجة الافتراء الذي أُلقِيَ القبض فيه وفي ساعة متأخرة من الليل على مجموعة من المتشردين في مكبات القمامة من قبل البوليس السري. كان وهو يقرأ، يتخيل الوضع النفسي والخوف والرعب والرهبة لأحد المتشردين والذي احتمى من عيون البوليس بأستار العتمة وهو يرتعش من منظر البوليس وهم يفتشون في مكبات القمامة قبل العثور على مجموعة المتشردين على مقربة منه والذين تم سوقهم بعد ان جندلوا اياديهم بالجامات وربطوا الجامعة بالاخرى بسلسلة تنتهي بمقبض، مسكه احد افراد الفرقة، ظهر منظرهم في عيون المتشرد المختفي بين تلال الزبالة، كأنهم قطيع اغنام سيقت الى المذبح. كان المتشرد ينصت وجسده يختض، الى الحوار بين فرقة البوليس : المطلوب منا احضار المجرمين الذين قاموا بالتخطيط لأغتيال السيد الرئيس قبل ان تدفع الشمس عند طلوعها هذا الظلام الى اخلاء المكان لأنوار النهار حتى انه لم ينتبه، إلا وخطفت يد من بين يديه الكتاب. ثواني من الغضب كان فيها قبل ان يسأل: لِمَ اخذت الكتاب.
- - اعرفك تمام المعرفة، على الرغم من اني لم ارك لثلاث عقود خلت. قال له
- نادى على النادل أن ياتي بستكانين من الشاي. جلس الرجل الشيك الى جاوره على الكنبة، أخذ يتكلم. صفن بدقة متناهية وبأستغراب مؤلم الى ما بدأ يبوح به شريكه في الملجأ اثناء الحرب، حرب الثماني سنوات، من وقائع تلك الليلة وما تبعها من خوف وتيه وعذاب، كانت أعماقه تغتلي بنار الحسرة والغضب، كان الكلام يأتي اليه، قادم من مكان اخر ومن الزمن البعيد، بصوت واهن وضعيف، شابته اكثر من مرة تأتأة : استدعيت الى ملجأ الامر في اليوم التالي، وجدتني وأنا ادخل الملجأ في حالة من الاضطراب لأني كنت قد علمت بأنك هربت تحت جنح الليل حالما خرجت انا من الملجأ،عرفت ان سبب الاستدعاء هو فرارك، لذا حاولت على الرغم من فوضى نفسي باستجماع قوة نفسي، لأتمكن من السيطرة على زمام أمري وبرمجة أجابتي بحيث لا اقع في خطأ، يفتح الباب لأدانتي. اديت التحية ووقفت بالاستعداد وأنا أنظر الى الامر وهو يتصفح رواية السيد الرئيس. في هذه اللحظة تأكدت أن في الوضع أمر مريب، سوف يستخدم دليل أدانة ضدي. سألتني في الوقت الذي لايزال الامر يتصفح في الكتاب: من دلهم عليه، في المكان الذي اخفيته فيه، تحت صندوق العتاد الفارغ الموضوع في الركن البعيد من الملجأ، حين أخذته من بين يديك وانت تقرأ فيه. سألني الأمر: ماهذا؟.. : كتاب. اجبته. ثم توالت الاسئلة، سؤال وراء سؤال وانا اجيب باللازمة التى استقر عقلي عليها واعتبرتها المخرج الوحيد المتاح لي للخلاص من هذه الورطة. : لا اعرف اي شيء عنه وعن هذا الكتاب ولم ار الكتاب قبل الآن، كنت اجيب على جميع تلك الاسئلة. لكنهم اصروا على ان لي علاقة باختفاءك وبالكتاب، فقد كان الأمّر يؤكد باصرار من أني من اخفيت الرواية تحت صندوق العتاد الفارغ. كان عليك أن تأخذ الكتاب معك، لو فعلت ما كان يجدر بك فعله لما جرى ما جرى لي، في أسوء الحالات لكانت العقوبة أقل وطأة يا صاحبي. سكت واخذ ينظر الى جهة مجهولة، خارج المقهى. انتظرت أن يتابع ما جرى له بعد ذلك، لكنه ظل صامتا، يحدق في مكان قصي حتى أني تخيلته يبحث عن شيء ضاع منه في الشارع او ينتظر أحداً يأتي في هذه الساعة من الليل، الى المقهى الذي فرغ من الزبائن ولم يبق إلا الندل. تألمت كثيرا على الذي جرى. من غير ان اتفوه بكلمة واحدة. في اكثر الاحيان وأنا انصت إليه، مأخوذا، موجوعا، مندهشا، كان ذهني يغادر بي الى تلك الليلة وما قبلها، اتركه يدلي بأعترفاته الى الكنبة التى نجلس عليها والمنضدة التى امامنا. استمع الى بث ذاكرتي التى لم تتعود في حياتها على ممارسة الخيانة معي: حين رجعت من أجازتي وعندما فرد طائر السكون جانحيه من الصمت على الانحاء واغلق فوهات المدافع من الجانبين، فتحت حقيبتي واخرجت رواية السيد الرئيس وأنا ملهوفٌ لقراءتها، بدأت القراءة. كان هو جالس على مقربة مني. انتبهت الى انه يبحلق في عنوان الرواية، سألني عن مضمون الرواية وعن كاتبها ولماذا انت مهتم بقراءتها الى هذه الدرجة ومن أين حصلت عليها واشياء اخرى. أجبته وانا ممتعض من تدخله الغير مبرر، إذ لم اره يوما يقرأ في كتاب او حتى جريدة، من اني حصلت عليها من بسطة للكتب في شارع المتنبي في اخر يوم لأجازتي، قرأت منها فصلين قبل ان التحق، أما من ناحية أهتمامي بها او بقرأتها لأنها عمل مهم. اطرق برأسه الى الارض، لاذ بالصمت. تابعت القراءة واندمجت مع احداثها حتى أني لم أنتبه الى خروجه ولا الى رجوعه وما قال في تبرير سلوكه، حين سحب الكتاب من بين يدي: هناك من يقول في الوحدة من انك تقرأ الكتب الممنوعة ويقولون: الآن تقرأ كتاب ممنوع. عندما خرج من الملجأ وفعل ما فعل وقال ما قال، تركت مكاني وجلست عند مدخل الملجأ، انظر الى السماء التى اختفى منها القمر في تلك الليلة، أتآمل مليارات النجوم في الاعماق السحيقة من السماء وأذا بصاحبي محمد، يقترب مني وياخذ مكانه الى الجانب مني، قال: سعد مرَ بي صدفة قبل دقائق، وأنا واقف عند مدخل الملجأ وسألني عن رواية السيد الرئيس، في الوهلة الاولى أثار عجبي سؤاله، لكني قلت له ان الرواية غير موجودة أصلا، لأنها ممنوعة من التداول. تركني ورأيته يمشي بأتجاه ملجأ الأمّر.. سمعا وهما ساكتان، يحدقان أحدهما في وجه الآخر، النادل من أعماق المقهى، يقول: تأخر الوقت كثيرا ولم يبق احدا من الزبائن، غادر الجميع. مسك القلم، فتح الدفتر، بدأ يكتب. جملة واحدة وأخذ قبله يركض بين ضلوعه، يهاجمها بسيوف من وجع، وجع حاد، مزقت طبقات اللحم بين الضلوع، اختنق، تناول حبة ثالثة ووضعها تحت اللسان، لكن الهواء ظل يطفر، مبتعدا عن مناخيره.. دخل احد العاملين في الفندق الى الغرفة، كما هي عادته في تنظبف الغرفة في هذا الوقت من الصباح، فوجيء بالاستاذ حسن نائم على المنضدة الصغيرة، رأسه على دفتر مفتوح، القلم في يده اليمين. نده مرة، مرتان، ثلاث: استيقظ استاذ، الساعة الأن، التاسعة. هزه عدة مرات. قرأ في رأس الصفحة في الدفتر المفتوح: يومان مخادعان وظالمان، رأيتهما في وجه انسان بملامح شيطان.. صرخ وهو ينزل الى ادارة الفندق: مات أستاذحسن.
- مزهر جبر الساعدي - بغداد - العراق
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
إرسال تعليق