بين الشرق و الغرب
فى البداية نستعرض نصين فلسفيين بهما الحكمة الخالة ثم نعلق عليهم
(و إن كان غيرنا قد فحص عن ذلك ، فبين أنه يجب علينا أن نستعين على ما نحن بسبيله بما قاله من تقدمنا فى ذلك .
و سواء أكان ذلك الغير مشاركا لنا أو غير مشارك فى الملة ، فإن الآلة التي تصح بها التزكية لا يعتبر فى صحة التزكية بها كونها آلة لمشارك لنا فى الملة أو غير مشارك ، إذا كانت فيها شروط الصحة . و أعني بغير المشارك : من نظر فى هذه الأشياء من القدماء قبل ملة الإسلام .
و إذا كان الأمر هكذا ، و كان كل ما يحتاج إليه من النظر فى أمر المقاييس العقلية قد فحص عنه القدماء أتم فحص ، فقد ينبغي أن نضرب بأيدينا إلي كتبهم ، فننظر فيما قالوه من ذلك ، لإإن كان كله صواب قبلناه منهم ، و إن كان فيه ما ليس بصواب نبهنا عليه .)
نص فلسفي من كتاب فصل المقال فيما بين الحكمة و الشريعة من الاتصال لابن رشد الحفيد 1126 م - 1198م
(و لكني كنت أعتقد أنني أنفقت الكفاية من الوقت فى اللغات ، بل و في قراءة الكتب القديمة ، و أيضا ما فيها من تواريخ و قصص : فإن محاضرة أهل العصور الأخر ، تكاد تكون كالسفر ، و إنه لمفيد أن نعرف شيئا عن أخلاق الأمم المختلفة ، حتي يكون حكمنا على أخلاقنا أصح ، و حتي لا نظن أن كل ما خالف عادتنا هو سخرية و مخالف للعقل ، كما هو دأب الذين لم يروا شيئا و لكن إذا أسرف المرء فى صرف الوقت فى السفر فإنه ينتهي إلي أن يصير غريبا فى بلده ، و أسرف فى التطلع إلي ما كان يحدث فى العصور الخالية ، ظل فى العادة شديد الجهل بما يقع فى زمانه .)
نص فلسفي لرينيه ديكارت 1596 م - 1650 م من كتاب مقال عن المنهج
نصان فلسفيان لقطبين كبيرين أحدهما يمثل الحضارة العربية و هو ابن رشد و الآخر يمثل الحضارة الغربية و هو ديكارت .
واضح التشابه بين الفكرتين فكل منهما يحض قومه على الاطلاع عى فكر و تاريخ و أخلاق الآخر كي يتسع أفق الناس .
إن حب المعرفة غريزة كامنة فى داخل الإنسان و لا تأتي بالانغلاق على الذات لكن بالانفتاح على الآخر مع إدراك الواقع إدراكا جيدا و معرفة حضارة بلدنا كي لا تتحول المعرفة المنفتحة إلي ما يعرف بالغزو الفكري .
ابن رشد كان فى زمن أفول الحضارة العربية فى الأندلس فكان يريد بعثها من جديد كما فعل هارون الرشيد و المأمون فى بغداد .
أما ديكارت فكان فى بداية عصر النهضة و كانت أوروبا قد بدأت تخرج من عصور الظلام التي عاشتها حتي القرن الخامس عشر ميلادي .
لا زلنا فى المشرق العربي نحتاج إلي القراءة و العودة إلي الكتاب كي لا يخدعنا إعلام موجه أو دعاة يخدمون مصالح معينة قد لا تصلح لنا و لن ينفع مواجهة الآلة الإعلامية الغربية الجبارة سوي المعرفة ،فالمعرفة هي الصخرة الكأداء فى مواجهة أي معلومة موجهة حتى و لو كانت صحيحة فقد تكون منقوصة و من ثم تكون مغرضة .
يقول المتنبي أعَزُّ مَكانٍ في الدُّنَى سَرْجُ سابحٍ
وَخَيرُ جَليسٍ في الزَّمانِ كِتابُ
بقلم أحمد سرور

إرسال تعليق