متمم بن نويرة
متمم بن نويرة بن عمرو بن شداد بن عبيد بن ثعلبة اليربوعي ، التميمي ، أبو نهشل .
شاعر فحل ، صحابي ، من أشراف قومه ، اشتهر في الجاهلية و الاسلام ، و كان قصيرا أعورا ، أشهر شعره رثاؤه لأخيه مالك .
و يكنى أخوه مالك أبا المغوار ، و كان يدعى فارس ذي الخمار ، و ذلك كانت عنده فرس يقال لها ذو الخمار .
سكن متمم المدينة ، في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، و تزوج أمرأة لم ترض أخلاقه لشدة حزنه على أخيه .
من شعره في رثاء أخيه مالك ، و هي التي سمتها العرب " أم المراثي " من الطويل و القافية من المتدارك :
لعمري ، و ما دهري بتأبين مالك ... و لا جزع مما ألم فأوجعا (1)
لقد غيب المنهال تحت ردائه ... فتى غير مبطان العشيات أروعا(2)
و لا برما تهدي النساء لعرسه ...اذا القشع من برد الشتاء تقعقعا (3)
تراه كنصل السيف بهتز للندى ... اذا لم تجد عند امرئ السوء مطمعا
و ان ضرّس الغزوُ الرجال رأيته ... أخا الحرب صدقا في اللقاء سميدعا
و ما كان وقافا اذا الخيل أحجمت ... و لا طالبا من خشية الموت مفزعا
فعيني هلّا تبكيان لمالك ... اذا هزت الريح الكنيف المرفعا (4)
و أرملة تمشي بأشعث مُحثل ... كفرخ الحبارى ريشه قد تمزعا (5 )
و لا بكهام سيفه عن عدوه ... اذا هو لاقى حاسرا أو مقنعا (6)
أبى الصبرَ آيات أراها و انني ... أرى كل حبل بعد حبلك أقطعا
و أني متى ما أدع باسمك لم تجب ... و كنت حريا أن تجيب و تسمعا
تحيته مني و ان كان نائيا ... و أمسى ترابا فوقه الأرض بلقعا
فان تكن الأيام فرّقن بيننا ... فقد بان محمودا أخي حين ودّعا
فعشنا بخير في الحياة و قبلنا ... أصاب المنايا رهط كسرى و تُبّعا
و كنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا (7)
فلما تفرقنا كأني و مالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
فما شارفٌ حنت حنينا و رجعّت ... أنينا فأبكى شجوها البرك أجمعا (8)
و لا وجد أظآر ثلاث روائم ... و أين مجرّا من حوار و مصرعا (9)
بأوجد مني يوم قام بمالك ... مناد فصيحٌ بالفراق فأسمعا
سقى الله أرضا حلّها قبر مالك ... ذهابُ الغوادي المدجنات فأمرعا (9)
و كان الأصمعي يسمي هذا الشعر أم المراثي .
و قيل للجاحظ : ان الأصمعي كان يسمي القصيدة أم المراثي .. فقال : لم يسمع الأصمعي قصيدة أبي تمام :
أي القلوب عليكم ليس ينصدع ... و أي نوم عليكم ليس يمتنع
و قال الأصمعي : لم يبتدئ أحد مرثية بأحسن من ابتداء أوس بن حجر :
أيتها النفس أجملي جزعا ... ان الذي تحذرين قد وقعا
و بعدها قول زُمَيل :
أجارتنا من يجتمع يتفرق ... و من يك رهنا للحوادث يفلق
يقال ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يصلي الصبح ، فلما انفتل من صلاته
اذا هو برجل قصير أعور متنكبا قوسا و بيده هراوة ، فقال : من هذا ؟ .
فقال : متمم بن نويرة ، فاستنشده قوله في أخيه مالك فأنشده :
لعمري ، و ما دهري بتأبين مالك ... و لا جزع مما ألم فأوجعا
لقد غيب المنهال تحت ردائه ... فتى غير مبطان العشيات أروعا
حتى بلغ الى قوله .. :
و كنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
فلما تفرقنا كأني و مالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
( و كان سيدنا عمر رضي الله عنه كثيرا ما يتمثل بهذين البيتين )
فقال عمر رضي الله عنه : هذا و الله التأبين ، و لوددت أني أحسن الشعر ،
فأرثي أخي زيدا بما رثيت به أخاك . فقال متمم : لو أن أخي مات على ما مات
عليه أخوك ، ما رثيته – و كان قتل زيد باليمامة شهيدا و أمير الجيش خالد بن
الوليد - فقال عمر رضي الله عنه : ما عزاني أحد عن أخي بمثل ما عزاني به
متمم . ( و هذا دليل أن مالكا قتل و هو مشرك و كان قتله ضرار بن الأزور
بأمر من خالد بن الوليد ) .
و كان عمر يقول: ما هبت الصبا من من نحو اليمامة ، الا خيل ال أني أشم ريح أخي زيدأ .
و قيل لمتمم : ما بلغ من وجدك على أخيك ؟ قال : أصبت باحدى عيني فما قطرت منها دمعة عشرين سنة ، فلما قتل أخي ، استهلت ما ترقأ .
و من شدة تأثره لفقد أخيه مالك ، فان عمرا رضي الله عنه قال له يوما :
انكم أهل بيت قد تفانيتم ، فلو تزوجت عسى أن ترزق ولدا ، يكون لكم فيه
بقية منكم ، فتوج امرأة من المدينة ، فلم ترض أخلاقه لشدة حزنه على أخيه ..
فطلقها و قال :
أقول لهند حين لم أرض فعلها ... أهذا دلال الحب أم فعل فاركِ
أم الصرم ما تبغي ، و كل مفارق ... يسيرٌ علينا فقدُهُ بعد مالكِ
و الفارك : الفرك ، البغض .. و الفارك الذي تبغضه النساء.
و يقال ان طلحة و الزبير بينا كانا يسران بين مكة و المدينة ، اذ عرض لهما
أعرابي ، فوقفا ليسبقهما ، فوقف . فتعجلا ليسبقاه فتعجل . فقالا : ما
أثقلك يا أعربي ! تعجلنا لنسبقك فتعجلت ، و توقفنا لتمضي فوقفت . فقال :
أتحسباني أني أغدر بصحابة رسول الله ؟ .. هباني خفت الضلال فأحببت أن
أستدل بكما ؛ أو خفت الوحشضة فأحببت أن أستأتس بكما . فقال طلحة : من أنت ؟
قال : متمم بن نويرة ! فقال طلحة : وا سوأتاه ! مللنا غير ملول . هات
ما قلت في أخيك من البكاء . فزوجوه أم خالد ؛ فبينا هو واضع رأسه على
رجلها ، اذ بكى فقالت : لا اله الا الله ، أما تنسى أخاك ؟ فأنشأ يقول :
أقول لها لما نهتني عن البكا ... أفي مالك تلحَيْنني أمَّ خالدِ
فان كان اخواني أصيبوا و أخطأت ... بني أمك اليوم الحتوف الرواصد
فكل بني أم سيمسون ليلة ... و لم يبق من أعيانهم غير واحد
ذريني فالا أبكِ لم أنس ذكره ... و ان أمرتني بالعزاء عوائدي
بودي لو اني قد تمليت عمره ... بمالي من مال طريف و تالد
و بالكف من يمنى يديّ حياته ... ففارقني منها بناني و ساعدي
فعشنا لنا أيد ثلاث و انما ... تصافي الحياة بذلها بالتحامد
و قدم متمم العراق ، فأقبل لا يرى قبرا الا بكى عليه فلاموه في ذلك فقال :
لقد لامني عند القبور على البكا ... رفيقي لتذراف الدموع السوافك
أمن أجل قبر بالملا أنت نائح ... على كل قبر أو على كل نائح
فقلت له ان الأسى يبعث الأسى ... فدعني فهذا كله قبر مالك
ألم تره فينا يقسم ماله ... و تأوي اليه مرملات الضنائك
و دخل المسجد عند صلاة الصح و كان أبو بكر رضي الله عنه يؤم المصلين :
فلما انتهى اذ بمتمم في مؤخرة المصلين متكأ على قوسه و أخذ يقول :
نعم القتيل اذا الرياح تناوحت ... خلف البيوت قتلت يا ابن الأزور
أدعوته بالله ثم غدرته ... لو هو دعاك بربه لم يغدرِ
فقال أبو بكر :
و الله ما دعوته ، و لا غدرت به ، ثم بكى متمم و انخرط على سبة قوسه
حتى دمعت عينه العوراء ، فقال له أبو بكر رضي الله عنه : زد .. فتابع قوله :
لا يمسك العوراء تحت ثيابه ... حلو شمائله عفيف المئزر
و لنعم حشو الدرع كنت و حاسرا... و لنعم مأوى الطارق المتنور
...............
خالد ع . خبازة
1- و ما دهري : ليس همي و غايتي .
2- المنهال : رجل من بني يربوع ألقى ثوبه على مالك يستره به
3- البرم الذي لا يدخل مع القوم في الميسر . و القشع : البيت من أدم أو جلد . و التقعقع : صوت الجلد اذا يبس
4- الكنيف : حظيرة من شجر تجعل للابل تقيها من البرد . و المرفع : المرفوع
5- الأشعث : يريد به ولدها . و المحثل : السيء الغذاء . تمزع : تفرق .
6- الشارف : المسنة من الابل . البرك : الألف من الابل
7- و كنا كندماني جذيمة حقبة : يعني مالك و عقيل من بني القين كانا نديمي
جزيمة الأبرش الملك .. وهو جزيمة بن مالك بن فهم بن دوس بن عدنان الأسدي
..وهو من الأزد و أول من ملك قضاعة بالحيرة . و أول من حدا النعال و أدلج
من الملوك و رفع له الشمع .
8- الأظآر : النوق يعطفن على حوار واحد فيرضع من اثنتين . و الروائم النوق تعطف على ولدها ،. و الحوار : ولد الناقة .
9- الذهاب : جمع ذهبة ، وهي القطعة من السحاب . الهام : المطر الضعيف الدائم . و المدجنات : السحب الكثيفة السود . و أمرع : أخصب .
إرسال تعليق