بقلمي
مقالة اليوم 2017/09/21
قِدْرُ جَدتي...ِ (أنا)
كانت جدتي في أواخر سنوات التسعينات تطلب منا أن نخرج لجلب الحطب، وبعض فضلات البقر أو روث الماعز .لتشعل النار وتحضر الخبز التقليدي.كانوا في زمن كله بركه وخير،وعاشوا على القليل .
فكنت وقتها بالصف التحضيري بمدرستهم الواقعة على بعد أمتار من منزلهم الريفي .لأنه لم يتم قبولي بمدرسة المدينة لصغر سني وقتها.
كان منزل جدتي جميلا واسعا رغم أنه مبني بالحطب والحجر .لم يكن فيه غرفٌٌ كثيرةٌ إلا أنه في عيني الصغيرتين ومقارنة بحجمي وقتها ،كنت أراه كبيرا إذْ يحتوي على غرفة كبيرةٍ للضيوف وغرفةٍ للمؤونة وغرفتين لزوجات أخوالي، وغرفة طعام والمطبخ وأخيرا غرفة الضيوف الخاصة بالنساء ، وفي الخارج زريبة للأغنام وحجرة كبيرة لتخزين الأكل للحيوانات، ويليها حديقة لجدي يغرس فيها بعض الأشجار والخضراوات وتحيط بها من كل الجوانب نبتة الصبار التي تطرح ثمارها في فصل الصيف.
وكان لهم حمار أخاف أن أركبه لجلب الماء من الوادي أو من بئر قريب منهم .
جدتي هذه الشخصية الباردة لاتبتسم إلا نادرا .تشبه في جنونها هتلر .ولا ينجوا من صراخها وغضبها أحد .فيوم تصرخ في أحد يُمضي طول النهار في البكاء ونحن نواسيه .فتارة نضحك عليه وتارة نخبر جدتي بما يفعله وراء المنزل .وأذكر يوما حين صرخت بوجهي لأنني لم أسمع كلامها بترك الماشية بالوادي .إنفطر قلبي جدا كنت إبنة الخمس سنوات لا أعرف شيئا .أتعلم الحروف والألوان والأشكال بالمدرسة .
جدتي.. كان لديها قِدْرٌ لتسخين الماء أو تحتاجه في أمور أخرى، لم تغسله منذ تزوجت بجدي فآثار الدخان من هم الحطب ترسب عليه، وفور لمسك له تتسخ يداك منه .ولا أنكر أنني كنت أرتاح في أرضهم الطيبة و أنبهر بسلسلة الجبال المحيطة بهم المائلة للون البنفسجي .في واجهة المنزل الخلفي .لأن لجدي في منزله ثلاث أبواب تؤدي للخارج .وأمضت جدتي سنوات في المنزل الريفي بحلوها ومرها وانتقلت للعيش في المدينة خوفا من الخارجين عن القانون وهناك أبصرت جدتي مالم تبصره بحياتها.
رمت بالقدر المتسخ الذي كانت تفخر به وتراه ذا قيمة أثرية غالية وتغير حالها وحالهم وحال أوانيها وأفرشتها .....منذ سنوات لم تعد جدتي تذكر الريف إلا نادرا نسيت كل شيء وصار لديها قصر ومَنىِّ الله عليها براتبين وغيرت من مشيتها وملابسها .جدتي ياقوم صارت ترتدي لون الحذاء بلون الطرحة.على حد قولها لي مرة تثقفي !!!!!! صدمت وأنا أنظر إليها أي زمان أنا فيه واكبت جدتي النهضة والتطور والإنفتاح وتراجع بنوا جيلي قليلا للوراء .
جدتي صارت تضع الطعام في أغلى الصحون ولا تأكل إلا على مائدةٍ من خشب وتجلس على الكرسي وهي تتناول عشاءها وتقول دائما .أن مستواها المعيشي مقارنة ببعض البشر ليس بالمستوى فهي في مرتبة الصفر .
جدتي الباردة التي لاتضحك إلا نادرا قد دَفَنت الكثير أمام أعينها ولا ألومها على البرودة .مسكينة... لكنني ألومها على أشياء قد حرمتنا منها .فمنذ سنة أدركت أن أجدادي كلهم ماتوا ماذا أنتظر منها.....
(جزء من حياتي شاركته معكم.)
تحيات الكاتبة نوال سلماني

إرسال تعليق