GuidePedia

0
شاركتكم ذكرياتي في طفولتي
مقالتي اليوم بعنوان(2017/09/29):
لقطات من ذاكرتي
أذكر في صغري أن الماء كان نادراً في قريتنا النائية،وكنا نأخذ قارورات صغيرة لجلب الماء من بئرٍ حفره أحد سكان القرية وجعله وقفا لله لكل الناس.
كم هو جميل مافعله الرجل ، هذا البئر أصبح قِبلةً في الصيف لكل أهل المنطقة.
وكنا قبلها نجلب الماء من خزان خاص بالبلدية التي نسكنها،فترى من بعيد صفوف الناس مجتمعه تنتظر قطرة الماء تلك.
وعندما نصل وجب علينا أولا ترتيب القارورات واحدة وراء واحدة كأننا في قرية من قرى الصومال .
وكنا ننتظر دورنا بفرح وصبر لأجل الحصول على الماء والعودة للبيت قبل المغرب ،وأحيانا تغرب الشمس علينا ونحن لازلنا في الصفوف الأخيرة نترقب وصول دورنا ، وكم كان حظنا سيء إذْ أن الطريق المؤدية للبيت بعيدة ووعرة فإذا عدنا قبل غروب الشمس قطعنا الجبل وخلفه قريتنا .وإذا عدنا بعد الغروب سرنا جنبا لجنب أنا وإخوتي وأبناء عمي وبنات عمي وعمتاي.....وكنا نتوقف لنرتاح من ثقل الماء وتارة نوصل بالتدريج القارورات ونعود لنجلب القارورات المتبقية ...ونجد أمي فور وصولنا عند الباب تنتظر بخوف شديد لماذا تأخرتم؟كان أول ماتسأله لأننا كنا في زمنٍ أخاف الكبير والصغير ...(زمن الدماء والظلام).فندخل للبيت ونرتاح قليلا ثم نتعشى ونخلد للنوم على الشموع ،فالضوء كان وقتها ممنوعا لابل خطرا علينا ...من أناس يترصدون أصحاب البيوت المنيرة فيأتوهم ليقطعوا رؤوسهم لم يرحموا حتى الرضيع.
الظلام كان يخيفهم فحتى المرأة الحامل إذا فاجأها وجع المخاضِ كانت في خطر أكبر من أناس ترصدونا وكادوا لنا حتى في مساجد ، إذا غادرت في الليل ودعت صغارها وأهل البيت .........أمي تقول أن المشفى لم يكن فيه وقتها شيء وإذا انقطع الضوء ولدن على الشموع.
كان الرجال لايغادرون البيوت فعند الساعة الخامسة الكل يُغلق بابه ولا يفتحه لطارق مهما كان .فإذا طرق أحد على الباب همس بإسمه (..لاتخف أنا أخوك..)
ويدخل وفي يده مِنجلٌ والذي يفتح يحمل في قبضته فأس فربما الطارق كان قاطعوا الرؤوس.
أمي كانت تخاف جدا من أول صوت تسمعه في الليل كانت تقول لنا بصوت خافت لاتتكلموا إلتزموا الصمت كنا نسمع صوت رجال يمشون كانوا عساكر فقط يبحثون عنهم(......)
لم نكن نعلم حجم الخوف ذاك إلا بعدما كبرنا ..وعلمنا مامعنا أين كنتم؟ ولماذا تأخرتم...؟كنتم تخافون علينا من الإختطاف والقتل...الحمد لله كبرنا وتعلمنا وسمعنا أشياء تهز البدن..قريتنا شهدت ضحايا كثيرين فقدوا فيها أحبابهم أمام أعينهم ومنهم من نجا بأعجوبة ومنهم من غادر معهم مرغما ومُهددا لم يعد حتى اليوم ولم تَعُد ...جارتنا على سبيل الميثال أخذوا بنتيها المراهقتين وليومنا هذا لاتعرف أين هما..هل إغتصبتا وذبحتا ..أو هن في مكان آخر لاتعرفان طريق العودة..أم جُنتـا من هول مارأوه.مسكينة هي لم تنساهما حتى اليوم وتبكي عليهما بحرقه .حدثت مجازر رهيبة هنا .فُجعت من هولها الأرضُ.
قريتي التي كانت نائية صارت جميلة جدا .فيها كل شيء الحمد لله.وأرضنا صارت أطيب أرض ضحوا عليها رجال ماتوا من أجل أن يحيا الوطن...تعبنا تعذبنا حرمنا لكن لم يذهب دماءهم سدا ....هي بخير وستبقى بخير إنها الجزائر .
تحيات الكاتبة نوال سلماني

إرسال تعليق

 
Top