GuidePedia

0
"#أيمن_العتوم" الكاتب الأردني العربي الوجه، المتكرر لكل الصور الفوتوغرافية لكتابنا مع اختلاف وحيد وهو بصمة القلم، أو جوهر الكلمات التي تحدد ملامح وجهه.
مع هذا الكاتب لا نحتاج للبحث عن مفردات وصف لملامح صورته وإنما لجينات قلبه و نوع الدماء التي بمحبرة شرايينه والتي يكتب بها آلامنا وآمالنا المهدورة.
كم وددت أن أسأله بأي قلم لا بل بأي قلب قد كتب روايته، من أين احضر كل هذا الحزن الباذخ بأمواجه المتلاطمة فوق أوراقه الباكية دماً.
"خاوية"؛ ثاني رواية أقرأها له وأبكي ما ألمس بها.
نعم، بكيت رغم أني حاولت جاهدة أن ألثم صراخي وأكتم أنين قلبي وأمنع الدمع من أن ينسكب، ارتحت ببكائي وكأني أفرغت جسدي من سموم حرفه الذي شغفني حزنا.
لم يكن غريبا هذا الكم من المحيط الحزين الذي جرفنا إليه حرفه الجريح وقد بدأ روايته بأقصى درجات الحزن.
لم يكن الحزن بين طيات الرواية شيئا جديدا على أعماله الأدبية، لكن في هذه المرة أخذ عقولنا من البداية ليضعنا أمام الحقيقة المرة والصعبة أمام الأمل الذي ولد سفاحا من كائن أسميناه المأساة.
لم أكن أعلم أن هناك من يستغيث بالموت ليهرب من الموت، ربما هناك موت رحيم وهناك موت صفاته وتفاصيله وربما أشباهه ضربا من الجنون.
حين تعمقت بقراءتي له ظننت أن هذه الدنيا خاوية وما نحن بها إلا عابري طريق، نعيش أفراحها على غفلة من الحزن. لكن خاوية كان اسما عميقا لأبعاد كثيرة وقصصا عديدة، تفوح منها رائحة الدم ورائحة الموت ورائحة الياسمين الحزين المحترق.
فتركت لنهر حزنه العنان ليبحر بي وإذ بي أجد نفسي أبحر بنهر حزن آسن بحثت عن النجاة بين السطور لكن عبثا لم أجد تلك القشة التي قد تنقذ الغريق، فكان الحل الوحيد أن أرخي له قيود تمنعي ليأخذني إلى دوامته، وأن أبحر مع التيار لتجنب الغرق، علّي أجد في نهاية المطاف نجاتي.
رأيت بروايته اليأس والأمل، الكره والحب، الموت والحياة من جديد، كل الأضداد معا، أخذنا إلى ذكريات "سلوى" و"جلال" و"زياد" والأمل الآتي "ليلاس" و"بدر" وكأنهما نجمة وقمر اجتمعا لينيرا درب الأمل القادم للإنسانية.
تعلمت أن الطب رسالة، والأمومة تضحية، والرسم لغة لمن فقدوا حواسهم وصوتهم، وأن الانتقام سمّ يقتل صاحبه.
جعلنا نعيش تفاصيل الصدفة عندما تجمع العشاق، وتفاصيل إمرأة متعطشة لتصبح أمّاً، وتفاصيل عاشق وأخ حنون أصبح قاتلا، وتفاصيل مرض فتك بدماغ طفل ليكبر وهو مازال طفلا لكن بقلب رجل وحلم إنسان، وتفاصيل من فارقتهم الحياة وتفاصيل من فارقوا إنسانيتهم.
لم أكن أعلم أن قوم يأجوج ومأجوج يعيشون بيننا وأنهم يتوعدون بنا شرا وموتا ودمارا، يرتدون أقنعة من ماتوا سابقا من البشر وقد تركوا هويتهم بين المفقودين ممن أضاعوا أنفسهم في غمرة الشهوات والرغبات، وبين القتل وسفك الدماء. يختبؤن خلف الغرابيب السود في كل مكان، يتغذون على خوف ضحاياهم وتوسلات سباياهم وبكاء الأطفال اليتامى وشهقات قلوب الثكالى ودموع العجائز الضعفاء، حرّموا ما أحل الله وحللوا ما جاء الإسلام ليحرمه.
" خاوية" جعلت قلبي فارغا إلا من الحزن والحقيقة الصادمة التي حجبتها عن عيني هذه الحياة الملهاة المليئة بتمثيليات الكوميديا الساخرة دون أن أنتبه لتلك التراجيديا المأساوية التي تقام فوق قبور الإنسانية وأنه لم يتبقى لي من دور بهذه المسرحية الدرامية سوى دور كومبارس صامت لا يعي مما حوله شيئا ولا يفقه إنسانيته.
ــــــــــــــــــــــــــ
وسام أبو حلتم
ملاحظة: الدوايمة هي قريتي في فلسطين

إرسال تعليق

 
Top