GuidePedia

0

الكوليرا في زمن التيه

تجلس امام التلفاز فتستمع الى شاعر يلقي قصيدة بين ايادي اركان النظام ، فيطعم كل بيت منها بكلمة انجليزيه والكل يبتسم ويضحك ، فينتابك شعور بالاهانه والغثيان لان لغتك قد اهينت ؟؟ وكأنه قد حقن لغتك العربيه بجرعة من الكوليرا !!! – تطالع على شبكة الاتصالات ، فتجد فئة ممن قيل لنا ان الشعب اختارهم ليشرعوا له القوانين يجتمعون في بيت احدهم فاذا بهم يتبادلون الاحاديث الممجوجه من نميمة وغيرها ويحتسون المشروبات وكأنهم في عالم آخر ؟؟؟ - هذه نماذج مصغرة جدا عما يجري في وطننا الكبير من فتن واقتتال داخلي وتدمير وتهجير ولكن بمذاق وطعم آخر – وهنا نتساءل هل انتشرت الكوليرا المعدية في كافة الارجاء بحيث وضعت الجميع في نفق التيه والضياع يعانون من ويلات التشرذم والاقتتال والفساد والانانيه والمرض ؟؟؟ ام اننا نعاني ما عاناه البطل اليوناني اوديسيوس والذي اهان آله البحر فحكم عليه بالقضاء عشر سنوات يصارع فيها امواج البحر بعد ان عاد جميع اليونانين الى ديارهم بعد الانتصار في حروب طرواده - كما ورد في ملحمة الشاعر الكبير هوميروس ؟؟؟؟
لقد اعتبر الكثير من المثقفين العرب ان هزيمة عام 67 هي هزيمة للعقل العربي واتجهوا شرقا وغربا يبحثون عن الحلول دون ادراك الاختلاف ما بين ثقافتنا والثقافات الاخرى وبالاخص الثقافة الغربيه مما ادى الى الفشل ؟؟ 
وفي اعقاب سقوط الاتحاد السوفييتي في الربع الاخير من القرن الماضي وما تبعه من هيمنة الولايات المتحده على مقدرات العالم ومع بروز اليمين المتطرف اصبح فرض الثقافه الامريكيه هدفا للسياسات الامريكيه وهي ثقافة الاستهلاك واقتصاديات السوق والشركات العملاقه ، وهي ثقافة تبتلع الثقافات الاخرى وتضعف سلطة الحكومات القوميه ، وقد ظهرت التحذيرات والتباشير من بعض الكتاب مثل كتاب - صامويل هنتنجتون – ( صراع الحضارت ) - والذي يرى ان الحضارات الغربيه هي التي ستسود في القرن الحادي والعشرين - او كتاب فرانسيس فوكوياما – ( نهاية التاريخ ) – والذي يرى ان فرض النموذج الحضاري الغربي هو الاساس باعتبار ان النموذح الحضاري والثقافي الامريكي هو الامثل والنهائي للانسانية ، والذي اخذ طريقه في التطبيق حتى لو لزم بالقوة العسكريه – وقد حاول البعض تخفيف اللهجة بتحويل مصطلح صراع الحضارات الى حوار الحضارات ، وما هو تلاعب في المصطلحات فقط ؟؟ 
نحن نعلم في ظل الثورة الرهيبه في تكنولوجيا المعلومات ان العزلة الثقافيه اصبحت مستحيله ، كما ان الحضارة الغربية ليست كلها شر ، ولكن الخطر كل الخطر يكمن في ابتلاع ثقافتنا – ان حصن الثقافة هو درع المقاومة الاخير ضد الضياع في نفق التيه ؟؟؟
اننا نعاني من المرض في زمن يشبه زمن الكوليرا واصبحنا نتصرف كتصرف بطل رواية الكاتب الكولمبي - جابرييل جارسيا ماركيز – والذي اردا التخلص من الناس على ظهر سفينته باعلان اشاعة انتشار وباء الكوليرا فوقها - كان ذلك من اجل حبيبته ؟؟ ، اما نحن فاننا نفعل ذلك عمليا من اجل انانيتنا - فالكل افرادا وجماعات ودول قطريه - اصبح يبحث عن نفسه فقط ؟؟ حتى ان العصبيات الجاهليه اخذت تتغول في مجتمعاتنا ؟؟ 
اننا بحاجة الى نظرية ثقافية عربية بديله تراعي ظروفنا وتراثنا واعرافنا وترسو بنا الى بر الامان - ثقافة منفتحه ولكنها تقف عند خطوط حمراء لا تتعداها - يجب ان تستمد وجودها من عناصر الدين واللغة والتاريخ دون تعصب او تحجر – ثقافه تقوم على ترابط الامة وسد ثغرات التخلف والتبعية والجهل والتعصب والتشرذم – ان المثقف هو اداة التنوير لباقي الجماهير وما لم نختط لانفسنا نظرية ثقافية قائمة على وعي تراثنا ( بعد تنقيته من المبالغات والخرافات والتزوير والاساطير ) ، تجعل من العلم والمعرفه طريقا للخلاص ، باحثة عن جذورها الضاربة في عمق الوعي العربي ، فاننا نظل ندور في نفق التيه نعاني من التخبط والضياع ؟؟؟
( كتب هذا المقال عام 2013 قبل ان تنتشر الكوليرا فعليا في بعض اقطارنا العربيه وبقسوه ) 

( نواف الحاج علي )


إرسال تعليق

 
Top