بقلمي / محمد مندور
قصة قصيرة بعنوان / عمر الزاهد
**********************************************
جلس الشيخ العجوز وحوله بعض تلاميذه يذكرهم بالآخرة وأن الدنيا متاعها زائل فعليكم بالزهد والورع
أثرت هذه الكلمات القليلة والعميقة في قلب هذا الفتى عمر صاحب العشرين ربيعا فرغم طاقته الكبيرة و المغريات الكثيرة التي تحوم حوله .
فكر مليا بكلام الشيخ ولم تمر تلك الموعظة على أذنيه مرور الكرام وإنما أراد أن يترجم ما سمعه لأنه بدافع الإيمان الذي يسكن قلبه يعلم أنه سيُسأل عن ذلك .
اتخذ قرارا أن ما يملكه ينفقه وأن لا يكنز من المال شيئا . فكان يعمل ومن عمله يأكل ما يسد جوعه فقط أما الباقي فيوزعه هنا وهناك ما بين فقير ومحتاج وان لم يجد وضع الباقي في بيت مال المسلمين .
استمر في حياة الزهد والتقشف هذه وظهرت عليه في نحافة جسده وثيابه المهترئة .أشفق عليه الناس حتى أبويه ونصحوه المرة تلو المرة ولكن عمر يأبى أن يعيش كما كان غيره من الفتيان وأصر على مبدأه هذا.
وذات ليلة جاء عمر إلى البيت فسمع صوتا في الداخل صراخ وعويل انطلقت تفزع القاصي والداني انه صوت والده وقد اوجعه الألم واشتد عليه وأمه تنظر في تيه وحزن ماذا أفعل ؟
أسرع عمر إلى طبيب الحي يطلب منه التدخل السريع ويشخص المرض ويدلنا على الطريق السليم ليتعافي الأب .
فجاء الطبيب فكشف على والده وأسر إليه وأخبره أنه لابد من التدخل الجراحي حالا فقد أصيب بجلطة حاده ولابد من اسعافات فورية وبالفعل جاءت سيارة الإسعاف وأخذت الأب وركب عمر مع أبيه وأمه في مقدمة السيارة ومعهم طبيب الحي .
تم إسعاف الأب في المستشفى بسرعة وجاء مدير المستشفى فأخبرهم أنه لابد من اجراء عملية في القلب في غضون أسبوع وإلا تدهورت الحالة أكثر وربما أدى ذلك للوفاة واستعرض مدير المستشفى سعر هذه العملية الباهظة الثمن فلم تتم العملية إلا بعد دفع ثلثي المبلغ والثلث الباقي بعد العملية .
الفتى الزاهد ماذا يصنع ؟ وأمه المسكينة ماذا تفعل ؟
الحيرة والقلق اصابهما والصدمة أصبحت كبيرة .
فعمر الذي قطع العهد ان ينفق كل ما يملكه ولا يبقى شيئا من ماله يلوم نفسه ويعاتبها معاتبة شديدة ويقول لو كنت ادخر ! لو لم أنفق كل ما آخذه من عطاء !
وكان لعمر أحد أقربائه من الأغنياء الصالحين فقصده عمر وأخبره عما عليه وعن حالته فبادر الرجل بنفس راضية وأعطاه المال وما طلب .
فرح عمر وذهب للمستشفى واعطاهم ما اتفقوا عليه
وخرج أبوه بعد شهر وقد زالت عنه هذه الغمه
وهنا استوقفت عمر هذه الصدمة وجلس يفكر كيف أكون زاهدا بصدق مع الله ؟ هل الزهد ان أنفق كل ما املك وأن أعيش معدما ووقت الحاجه ألجأ إلى غيري ؟احتار عمر وقال علىّ ان أوجه هذه الأسئلة للشيخ.
فحكي للشيخ ما حدث له وما كان يفعله في حياته وعندها أخبره الشيخ ليس هكذا يكون الزهد ..الزهد هو ألا تعيش عيشة المترفين في القصور وتنسى من دونك من الفقراء المعدمين لا يمنع عنك الله الغني ما دمت تكسب الحلال وتخرج الزكاة ولكن ما يمنعه عنك التبذير المفرط والتضييع لمالك فيما لا ينفع ...فيقول الله تعالى ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا )
وأحيانا يصبح الغني الذي يصحبه الصلاح والتقوى مطلوب بل دعا له النبي الكريم ( نعم المال الصالح للعبد الصالح )
فاعمل بجد وإتقان متوكلا عليه وأخرج لله ما أوجبه وما افترضه عليك ولا تنس نصيبك من الدنيا .
وأعلم أن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده .

إرسال تعليق