استأذنتْ موجةٌ أباها البحرَ ذاتَ يومٍ لترويَ
عطشَ الرمالِ المجاورةِ لها ، حينَ رأتْ شحوبَ وجهها
وغياب نضارتها ، فانفطرَ قلبها على تشقِّقِ يديها وتساقطِ شعرها
وهي من تملكُ كلَّ أسبابِ الجمالِ والديمومةِ لحياتها
وازدهارها فقالتْ لَهُ : ياأبي ، جيراني قد طفرَ عيشهم ، ودقَّتْ حضورهم ، فنحلتْ أجسامهم
وغارت عيونهم من شظفِ الحياةِ ، وشحِّ الماءِ وقلةِ الطَّعامِ ، فهلْ تسمحُ لي أنْ أمدَّهم بما
يحتاجونهُ من مخازني الممتلئةِ بجواهركَ ، و تمنحني رضاكَ ياأبتي ؟
ابتسمَ البحرُ حين سَمِعَ ماقالتهُ له ابنتهُ الموجةُ
وَقَالَ لها : رائعٌ عملُكِ ومقدَّسٌ ! أباركُكِ يابنتي .
فما كانَ من الموجةِ إلاَّ أنْ حملتْ كلَّ خيراتِ البحرِ من أصدافٍ ولآلئَ إلى الرمالِ والشطآنِ
ومنذُ ذَلِكَ الوقتَ ، والشُّطآنُ لاتهتمُ لرياحِ العطشِ أو ثورراتِ
الجفافِ والتصحرِ ، وصارت السَّواحلُ بياراتِ ليمون وبرتقالٍ ، وغدتِ
السهوبُ القريبةُ مروجاً خضراءَ تموجُ بالسِّحرِ والبهاءِ
فاجتذبتِ السُّواحَ ، وغدتْ مرتعاً للطيورِ والنوارسِ
وغدا هذا العملُ طقساً مقدساً تمارسهُ الأمواجُ كلَّما اشتاقتْ الشُّطآنُ
لحضارةِ ورقي الموجِ ، وكلما دَنا منها الجوعُ ، أو خيمتْ عليها أسرابُ
العطشِ ، وصارَ البحرُ رمزَ الجودِ والكرمِ .
---
مرام عطية - سوريا
إرسال تعليق