GuidePedia

0


الأم دنيا 
........... تأليف / إنتصار الجنابي 
مع إن الماء أراد أن يخون اصابعها إلا إنها تشبثت به وبقوة ولم تسمح له بالفرار والعودة إلى مجرى النهر الكبير بل عملت جاهدة أن يصل الماء إلى فم ابنتها الصغيرة التي طلبت من والدتها أن تسقيها الماء قبل أن يقتلها الضمأ. 
كانت والدتها حافية القدمين وهي تحمل على رأسها آنية الجبن وتدور فيها في الشوارع والازقة كي تبيعه لتشتري بثمنه خضار وفواكه لها ولبناتها. كانت نادية أصغر بناتها وكانت ترافقها أينما ذهبت ورحلت . 
كان ذلك عام 1985 وكان الطقس شديد الحرارة مما جعل الطفلة تتذمر من شدة الحر .
شعرت نادية بطعم الماء المنعش وكيف لا يكون منعشا وهي ترتشفه من كف والدتها الحنونة . قالت لها والدتها بحنان :آه يا أبنتي العنيدة .الم أقل لك إن الحر شديد وإن بشرتك البيضاء الرقيقة لن تتحمل قساوة الشمس .آه يا صغيرتي كان الأفضل لك ان تبقين مع شقيقاتك في البيت . 
نظرت الطفلة إلى قدمي والدتها العاريتين وقالت لها :ماما هل الشمس لم تلسع قدمك ..إنك تسيرين بلا حذاء .
نظرت إليها والدتها وانحنت اليها وقبلتها من عينيها وقالت لها : لن أشعر بالحر طالما انتي معي يا حبيبتي وتحسين بألمي . 
لقد كانت تلك الذكرى مازالت عالقة في مخيلة تلك الصغيرة وكلما مرت من ذلك النهر تذكرت والدتها التي رحلت عن دنياها فقد أخذها الموت فجأة وغيبها الثرى .
آه يا أيها النهر ها أنت بصمودك تعاند مرور الزمن وتقاوم التغيرات بما فيها من قسوة وصلابة فالسنين ودوراتها تجتاح كل شيء وتغيره بل وتمحيه من الوجود . لكن انت مازلت على قيد الحياة لم تجف ولم يدثرك الطمي ولا الترسبات. الجيولوجيا وطبقات الأرض لم تهزك والمناخ لم يغير مسارك. لا الأمطار ولا الرياح . لا البرد ولا الحرارة اصابتك بالوهن ولم تسلمك إلى الزوال . 
انت انت هذا عهدي بك كبير تتباهى بجمال ماؤك الذي يداعب خيوط الشمس الحمراء التي تتلألأ في موجاته الرقيقة .
لم يصيبك الضعف مازالت فتى يافع في عنفوان شبابه . 
أما والدتي فقد أكلها الوهن وقضى عليها المرض وماتت وها أنا قد أصبحت إمرأة أحس بشعور الأمومة من حنان والدتي الذي لمسته منها . 
كانت امي دنيا سعيدة وجميلة .نعم الأم دنيا وانا الآن أحس بشعور الأم وكأنني أرى بأن لي طفلة جميلة .أشعر بأني والدة حنونة احمل حنان امي الكبير واملك قلبا كقلبها الرؤم . مع أنني لم أنجب لكني أحس بشعور الأم .فعلا الأم دنيا .

إرسال تعليق

 
Top