ســــنابك القــــدّيس_قصة قصيرة
""""""""""""""""""""
هالة النور ترتسم فوق ملامح وجهه ،تبهر الناظر إليه رغماً عنه ،لحيته البيضاء تعبق بضوع روائح تذكرني بمزارات أئمة قدسيين ..التجأتُ اليه لضيق ذات اليد ..مضغتُ ذل الحرمان والمسغبة أنا وأطفالي الثلاثة ..أسمالنا بالية وجيوبنا خاوية ..تجرجرني قدماي بجوارب مثقوبة وعباءة نأى بها لونها الأسود واضمحلّ ليصير أحمرا ..استقبلني في بيته وأدخلني إلى صالة مكتبه ..ابتسامته الرقيقة المطمئنة جعلتني أجلس منزوية يعتريني الحياء وذلة السؤال ..جئته مرتين قبل هذا الوقت واعتذر مني لوجود ضيوف من رجالات العشائر ..أجلس الأن وحيدة معي طفلي الصغير ..جلس قبالتي وأصابعه البيضاء تلامس مسبحته الطويلة فيما كانت الخواتم الثلاثة . تزين أصابع يده اليسرى ..مسح على خواتمه بهدوء ونظر الي طويلا وشبح ابتسامة يلوح على صف أسنانه البيضاء الناصعة ..خطر في بالي أن بياض أسنانه ليست عاديا وأظنه يضع طقم أسنان صناعية ..تنحنح ثم قال لي بصوت خفيض
_آسف لتأخري عن مقابلتك ..قولي لي أين تسكنين ؟
_مولاي أنا أسكن قريبا من بيتكم المعمور ان شاء الله
_هل من خدمة أسديها لك ..شعرتُ بالحرج وهو ينظر إلي دون أن يطرف له جفن ..لملمت عباءتي وأخفيت كفي بين فخذي وقلت له :
_أنا احتاج إلى مساعدتك ماديا ..لي زوج معوق وثلاثة أطفال قاصرين وليس لنا مورد مالي ..وزوجي مريض بحاجة إلى اطباء ومراجعات وليس لي أحد ..سمعت بكرمك ونبل اخلاقك وقوة إيمانك ..فجئت اليك ..اخفض رأسه قليلا وعدل من وضع "كوفيته " ثم مسح على شاربيه الحليقين وقال :
_أنا في خدمتك .
_الله يجازيك بالخير مولانا ..
_كم تريدين من المال ..ليكفيك؟
_الكريم وما أنفق في سبيل الله ..الله يطيل في عمرك ..نهضَ من مكانه وجلس على الأريكة التي كنت أجلس عليها ..التفت إلي نصف التفاتة وقال لي :
_منذ متى زوجك معوقّاً
..أقصد إعاقة حرب أم جراء حادث ؟
_لا مولانا ..جلطة دماغية منذ أربع سنوات ..أخفض بصره وزمّ على شفتيه ثم بللهما بطرف لسانه الأحمر وهمس :
_الله يكون في عونك ..تلك مأساة ..أنت
مازلتِ شابة ..وجميلة أيضا ..أهذا أبنكِ الأصغر ؟
_نعم مولانا ..عمره أربع سنوات وولدي الكبير عمره سبع سنوات ..
تنحنح ومد يده في جيب "جبته :مستخرجا ورقة نقدية ودسها في جيب ابني الصغير وهو يقول :
_اذهب لتشتري من الدكان ياولد ..أمسكت بولدي الذي يحاول أن يقفز ليجري مسرعا فرحا بالنقود ..قلت له مستدركة :
_الدنيا ليل والظلام كثيف ..دعه مولانا في وقت آخر ليشتري مايرغب ..ارجعتُ ولدي إلى مكانه وأصابعي تضغط على ركبتيه بغلظة ..انصاع لي الصبي ..وجلس في مكانه مستاء ..نهض الشيخ من مكانه وجلس خلف مكتبه ..نظر إلي بعينين يشوبهما الغموض والريب ..ثم قال :
__سأعطيكِ
من المال مايكفيك ويزيد ..أنا خادمك ..أنتُ عزيزة لدي ..وتحتاجين إلى العطف والحنان ..سأتولى أمرك ولن أجعلكِ في عوز ابدا ..أنتِ امرأة بنت عز ودلال ..
_شكرا مولانا
_أرجوكِ أتركي كلمة مولانا ...كوني معي طبيعية ..
_أنا في خدمتك ..الله يحفظك ويزيد في إيمانك
أطرقَ قليلا ثم نظر إلى معصم ساعته ..التفتَ نحوي وتمتم :
_أرجو أن لا ترفضي طلبي
_لم أفهم ؟
_نتزوج على سنة الله ورسوله ..نهضتُ من مكاني والرجفة تعتقل أعضائي كلها ..لملمتُ عباءتي حول جسدي وامسكت بولدي واجبته بحدة :
_أنا متزوجة مولانا ..أنا لي زوج ..كيف تتزوج من امرأة متزوجة ؟!
_افهميني ارجوك ..يجوز ذلك ..بعد الجماع تستغفرين سبعين مرة ..وأنا أيضا وألامر يتم بالحلال وبالشرع ..اهدأي انت لا تفهمين باحكام الشريعة ..اهدأي قليلا ليس في الأمر مايغضب الله ...استغفر الله ..استغفر الله ..استغفر الله من غضب الله ..فتحتُ الباب وخرجت ..حاولَ امساكي من يدي ..دفعته بكفي وقلت له بصوت لبوة جريحة محاولة الحفاظ على رباطة جأشي :
_هكذا تفهم الدين ؟لاحاجة لي بمساعدتك ..تبًا لك من شيخ متصابي أرعن ..لدى الباب اعترضني أحد أزلامه دفعته بيدي وخرجت مع ولدي والغضب يتملكني فيما اعترتني رعشة شعرتها أطاحت بما تبقى لي من كبرياء ..سمعتُ صاحبه يقول له موبّخا :
_أغدق أموالك على الأرامل والمطلقات ..هل جننت ياشيخ ؟هل تريد أن تستحدث فتوى تبيح لك المحضورات ؟
آخر ماسمعتهُ منه قبل أن يغيبني ظلام الشارع :
_إنها جميلة جدا ياهذا ..هل تظنني خالفتُ الشرع في ذلك ؟دعها تذهب إلى الجحيم هيّ وزوجها العنّين !
بقلم /عادل المعموري /
""""""""""""""""""""
هالة النور ترتسم فوق ملامح وجهه ،تبهر الناظر إليه رغماً عنه ،لحيته البيضاء تعبق بضوع روائح تذكرني بمزارات أئمة قدسيين ..التجأتُ اليه لضيق ذات اليد ..مضغتُ ذل الحرمان والمسغبة أنا وأطفالي الثلاثة ..أسمالنا بالية وجيوبنا خاوية ..تجرجرني قدماي بجوارب مثقوبة وعباءة نأى بها لونها الأسود واضمحلّ ليصير أحمرا ..استقبلني في بيته وأدخلني إلى صالة مكتبه ..ابتسامته الرقيقة المطمئنة جعلتني أجلس منزوية يعتريني الحياء وذلة السؤال ..جئته مرتين قبل هذا الوقت واعتذر مني لوجود ضيوف من رجالات العشائر ..أجلس الأن وحيدة معي طفلي الصغير ..جلس قبالتي وأصابعه البيضاء تلامس مسبحته الطويلة فيما كانت الخواتم الثلاثة . تزين أصابع يده اليسرى ..مسح على خواتمه بهدوء ونظر الي طويلا وشبح ابتسامة يلوح على صف أسنانه البيضاء الناصعة ..خطر في بالي أن بياض أسنانه ليست عاديا وأظنه يضع طقم أسنان صناعية ..تنحنح ثم قال لي بصوت خفيض
_آسف لتأخري عن مقابلتك ..قولي لي أين تسكنين ؟
_مولاي أنا أسكن قريبا من بيتكم المعمور ان شاء الله
_هل من خدمة أسديها لك ..شعرتُ بالحرج وهو ينظر إلي دون أن يطرف له جفن ..لملمت عباءتي وأخفيت كفي بين فخذي وقلت له :
_أنا احتاج إلى مساعدتك ماديا ..لي زوج معوق وثلاثة أطفال قاصرين وليس لنا مورد مالي ..وزوجي مريض بحاجة إلى اطباء ومراجعات وليس لي أحد ..سمعت بكرمك ونبل اخلاقك وقوة إيمانك ..فجئت اليك ..اخفض رأسه قليلا وعدل من وضع "كوفيته " ثم مسح على شاربيه الحليقين وقال :
_أنا في خدمتك .
_الله يجازيك بالخير مولانا ..
_كم تريدين من المال ..ليكفيك؟
_الكريم وما أنفق في سبيل الله ..الله يطيل في عمرك ..نهضَ من مكانه وجلس على الأريكة التي كنت أجلس عليها ..التفت إلي نصف التفاتة وقال لي :
_منذ متى زوجك معوقّاً
..أقصد إعاقة حرب أم جراء حادث ؟
_لا مولانا ..جلطة دماغية منذ أربع سنوات ..أخفض بصره وزمّ على شفتيه ثم بللهما بطرف لسانه الأحمر وهمس :
_الله يكون في عونك ..تلك مأساة ..أنت
مازلتِ شابة ..وجميلة أيضا ..أهذا أبنكِ الأصغر ؟
_نعم مولانا ..عمره أربع سنوات وولدي الكبير عمره سبع سنوات ..
تنحنح ومد يده في جيب "جبته :مستخرجا ورقة نقدية ودسها في جيب ابني الصغير وهو يقول :
_اذهب لتشتري من الدكان ياولد ..أمسكت بولدي الذي يحاول أن يقفز ليجري مسرعا فرحا بالنقود ..قلت له مستدركة :
_الدنيا ليل والظلام كثيف ..دعه مولانا في وقت آخر ليشتري مايرغب ..ارجعتُ ولدي إلى مكانه وأصابعي تضغط على ركبتيه بغلظة ..انصاع لي الصبي ..وجلس في مكانه مستاء ..نهض الشيخ من مكانه وجلس خلف مكتبه ..نظر إلي بعينين يشوبهما الغموض والريب ..ثم قال :
__سأعطيكِ
من المال مايكفيك ويزيد ..أنا خادمك ..أنتُ عزيزة لدي ..وتحتاجين إلى العطف والحنان ..سأتولى أمرك ولن أجعلكِ في عوز ابدا ..أنتِ امرأة بنت عز ودلال ..
_شكرا مولانا
_أرجوكِ أتركي كلمة مولانا ...كوني معي طبيعية ..
_أنا في خدمتك ..الله يحفظك ويزيد في إيمانك
أطرقَ قليلا ثم نظر إلى معصم ساعته ..التفتَ نحوي وتمتم :
_أرجو أن لا ترفضي طلبي
_لم أفهم ؟
_نتزوج على سنة الله ورسوله ..نهضتُ من مكاني والرجفة تعتقل أعضائي كلها ..لملمتُ عباءتي حول جسدي وامسكت بولدي واجبته بحدة :
_أنا متزوجة مولانا ..أنا لي زوج ..كيف تتزوج من امرأة متزوجة ؟!
_افهميني ارجوك ..يجوز ذلك ..بعد الجماع تستغفرين سبعين مرة ..وأنا أيضا وألامر يتم بالحلال وبالشرع ..اهدأي انت لا تفهمين باحكام الشريعة ..اهدأي قليلا ليس في الأمر مايغضب الله ...استغفر الله ..استغفر الله ..استغفر الله من غضب الله ..فتحتُ الباب وخرجت ..حاولَ امساكي من يدي ..دفعته بكفي وقلت له بصوت لبوة جريحة محاولة الحفاظ على رباطة جأشي :
_هكذا تفهم الدين ؟لاحاجة لي بمساعدتك ..تبًا لك من شيخ متصابي أرعن ..لدى الباب اعترضني أحد أزلامه دفعته بيدي وخرجت مع ولدي والغضب يتملكني فيما اعترتني رعشة شعرتها أطاحت بما تبقى لي من كبرياء ..سمعتُ صاحبه يقول له موبّخا :
_أغدق أموالك على الأرامل والمطلقات ..هل جننت ياشيخ ؟هل تريد أن تستحدث فتوى تبيح لك المحضورات ؟
آخر ماسمعتهُ منه قبل أن يغيبني ظلام الشارع :
_إنها جميلة جدا ياهذا ..هل تظنني خالفتُ الشرع في ذلك ؟دعها تذهب إلى الجحيم هيّ وزوجها العنّين !
بقلم /عادل المعموري /

إرسال تعليق