GuidePedia

0
يخامرهُ شعور أن طباع سيدته قدتغيرت ،وأنها لم تعد تهتم به عندما كان صغيرا ،تتراى أمام عينيه الصغيرتين صور شتى مرّ بها طوال وجوده في هذا البيت ،كانت تحممه بالماء والشامبو وتنظف جسده بعناية أم رؤوم .. ترّش عليه العطر ..تحملهُ بين ذراعيها ، تجلسه بتؤدة على الأريكة المخملية ذات الألوان الفاقعة ،تجلب له بعد الاستحمام ..إناء اللبن والجبنة الطازجة .. تتذكرُ أوقات جوعه بالساعة والدقيقة لتجلب له اللحم المشوي وتضعه أمامه ،تمسّدُ على رأسه وكتفيه بأنامل رقيقة يستشعرها لمسات مترعة بالحنان ،عندما كانت تتوجه إلى سريرها تحمله بين ساعديها وتضعه في حضنها ليرقد رأسه الصغير فوق صدرها .. يغفو حالماً في أجواء منعشة تتناغم مع العطر النفاذ المنبعث من صدرها ..
كلما خرجت من البيت لملاقاة صويحباتها ..يشعرُ بالحزن ولوعة الفراق ولا تنشرح أساريره ويتنفس الصعداء إلاّ بعد أن يراها مقبلة وهي داخلة إلى البيت بعد نهاية مشاويرها
..يسرعُ هو بالقفز ناطّاً فوق ذراعيها المفتوحين ..زوجها يغيب عن البيت أيام وأسابيع ..يمكث ثلاثة أيام ثم يحمل حقيبته ويرحل إلى مكان بعيد حيث يعمل في مدينة نائية في احدى الوظائف في عرض الصحراء ..كان يكره مجيئه ولا يرغب بطلّته على البيت ..لأنه سيُحرم طوال وجوده في البيت من عطف ومحبة سيدته ..يلازمه الحزن والوجوم لوجود سيده الغاضب دوما منه ومن وجوده بينهما ..يرمي له عظمة وبعض من فتات الطعام ثم يشيح بوجهه عنه ..على العكس من كرم سيدته وبذخها لأطايب الطعام وهي تقدمه له عن طيب خاطر..
المرأة تلاحظ استهجانه وكرهه له ..فتطلب من زوجها الرأفة به والعطف عليه ..ولكنه لم يكن ليستجب لها ..كانت تحكي له عنه وعن ملئه لفراغ حياتها بعد غيابه ..تقصُ عليه كيف قلب حياتها من الرتابة إلى حالة من الفرح والحبور والشعور بالألفة والأمان .. قلما تبيتُ معها أمها أو أختها الكبرى ..عندما كبر وأصبح وزنه ثقيلا وحركته بطيئة ليس كسابق عهده ،انشغلت عنه ولم تعد تهتم به بعد ان عانقت (الأنترنيت ) والبرامج الألكترونية الممتعة ،لم تعد تحتويه بذراعيها ولا يغفو في أحضانها الدافئة ..ولن يضع رأسه فوق صدرها ..افتقدَ إلى دقات قلبها وعطرها النفاذ ورائحة جسدها المثيرة..
حاول أكثر من مرة أن يقفز نحو سريرها ويندّس في أحضانها ..كانت ترفضه وتنهض من السرير لترميه ياستياء شديد وتشير له بالبقاء والمبيت قرب الباب..افتقاده لحنانها ودفئها أورثاه سأما كبيرا وغالبه الحزن ..يشعر أنه ُطردَ من أجمل مكان كان بالنسبة له جنة يحلم بها الكثيرون من كلا السنخين ..افتقدَ لطعم النوم الهانيء واجتاحت لياليه ساعات من السهد والحرمان ..كم حاول عبثا التقرب من سريرها ولكن محاولاته باءت بالفشل ..فقرر أن يقفز إلى سريرها متحينا الفرصة ريثما تغط في نوم عميق ..ثم يقترب من ساقيها الأبيضين ويلامس بوجهه جسدها الناعم ودفئه المحبب ..ذات ليلة شعرتْ به يرقد بين ساقيها ،انتفضتْ مذعورة وركلته بقدمها ،قفز هو نحو مكانه ودفن رأسه بين ذراعيه ..عندما حدجته شزرا بنظرة استنكار ..أسبل عينيه متظاهرا بالدعة والبراءة وطلب المغفرة ..تبتسم بسخرية ثم تعود واضعة رأسها فوق الوسادة معاودة النوم ..عندما يفز من نومه في ساعات الهزيع الأخير من الليل ..يجد الملاءة منزاحة عن جسدها وثوبها الشفيف منحسرا عن ساقيها وجزء من ردفيها ..ينهض من مكانه متوثباً
ويتسلل إلى السرير مقتربا منها يطيل النظر إليها فيما كانت هي تغط في نوم عميق ..تقلّبت في نومتها ذات مرة .. رأته قريبا منها يلحس بلسانه ربلة ساقها محاولاً أن يجد له مكانا بين ساقيها المنفرجين لينام ..تعتدل من جلستها والغضب يلوح في عينيها .. تمسكه من يده وترمي به خارج الغرفة وهي تتمتم بكلمات نصفها ضاعت مع تثاؤبها وحاجتها إالنوم ..الآن أصبح بعيدا عنها ..لم يعدالإبن المدلّل بعد اليوم ..
ُطردَ من الغرفة وعليه النوم في الصالة ،سيكون الباب الموصد والجدار عازلا بينه وبين سيدته الغاضبة ..سوف لن ينعم بدفء جسدها ولا بأريج عطرها ..سوف لن ينام مرتاحا بعد اليوم ..أذعن واقعى في مكانه يرتّل أوهامه تحاصره الر غبات المكبوته ..لقد نأت به المسافات الآن ..وسيكون على قارعة الحلم ولن يدخل الجنة التي كان يحلم بها ..حمل مرا ثية واقتعد مكاناً قصيا في الصالة بانتظار ماينتظره في صباح الغد من عقوبة ...عند الصباح خرجت من غرفتها ورمقته بنظرة جامدة ثم اتجهت إلى الحمام ..بعد لحظات سمع طرطشة الماء وهو يرتطم ببلاط الحمام الصقيل ..تناهت الى أذنيه نغمات صوتها العذب وهي تتمتم بأغنية كانت تنشدها عندما كان معها في الحمام يومذاك يستحمان سوية ..امتطته امواج الكآبة وتحطّمت على أعتاب ذاكرته تلك الصور الجميلة والحب الكبير الذي كان يعيشه معها ..داهمته فكرة مجنونة أن يقترب من الحمام ...يشعرُ أن قوة مبهمة تدفعه إلى الاقتراب منها .. أصبح عند فتحة الباب السفلى ..مدّ رأسه الصغير ..رأى ساقين يغمرهما الماء ....تسللت عينيه نحو القدمين البضين الناعمين والأظافر المصبوغة بلون االبنفسج ..اشتعلت في داخله الرغبة في أن يرى جذعها من الأعلى .. في غمرة انفعاله ودقات قلبه السريعة ..فُتح الباب فجأة .. من غير انتظار ولا تمهيد ..أمسكتْ بأكرة الباب وهي تنظر إليه.. فيما كان الماء يغمرها ويلتمع فوق قسمات وجهها وشعرها المبلول يلتصق بجيدها وصدرها ..ألقت عليه نظرة طويلة وهي تزّم شفتيها بغيض مكتوم ..وقد اختلط بريق عينيها بقطرات الماء البلورية الساكنة في الأحداق ..سمعها تصيح به :
__أيها السافل ..لم أكن أتوقع ابدا أن تكون بهذه الدرجة من السقوط ونكران الجميل ..انتظرني ريثما أخرج من الحمّام ..عندما أغلقت الباب بقوة ..كان قد خرج مسرعا ونطّ فوق الجدار الخارجي ..ظل هكذا جاثما فوق الجدار منتظرا رد فعل سيدته ..بعد قليل خرجت ثم دخلت إلى المطبخ مسرعة ..خرجت حاملة بيدها عصا غليظة برأس مدبب ..وهي تركض نحوه ..قبل أن تنهال العصا على جسده المرتعش ..قفز إلى الشارع راكضاً بأقصى سرعته مخترقا الاسفلت البارد .. لينزوي بعد ذلك ،بعيدا في ظل العتمة ويضيع صوته مع مواء قطط الشوارع.

إرسال تعليق

 
Top