GuidePedia

0

قصة قصيرة بقلم محمد على عاشور
إعلان وظيفة
منذ عشرة شهور لم تتوقف الصحافة عن الحديث عن هذه المسابقة ، والتي سيعين فيها عشرات الآلاف ، ومنذ أن تخرج في الجامعة لم يفوت مسابقة إلا وتقدم إليها وكله أمل أن يحصل على أي وظيفة تجعله آمنا على مستقبله الذي كثيراً ما سهر بسببه يذاكر ، أو يندس بين أكوام اللحم في القطارات في الذهاب والإياب .
أربعة أعوام قضاها يوفر من طعامه حتى لا يرهق والده الذي ينفق على غيره من إخوته سواء الذين يدرسون في الجامعة ويصغرون في السن ، أو أخيه الأصغر الذي أصبح يدرس في الثانوية وبرغم ذكائه إلا انه ضرب عرض الحائط بنصائح كل من حوله ، حتى إن والده الذي ذهب إليه في عصر أحد الأيام التي تسبق الامتحان ، عندما كان يلعب الكرة وأراد أن يوبخه ، حتى يذهب ليذاكر ، لكنه صاح في والده وهو يقول :لماذا تريد أن أذاكر ؟ حتى ارقد بجوار ابنك الذي أنهى الجامعة .
أصبح كل الناس يتكلمون عن هذه المسابقة ، إذا ركب سيارة سمع الكلام عن المسابقة ، وإذا جلس في مقهى تكلم الناس عن المسابقة ، وإذ1جلس في البيت ذكرت عائلته المسابقة ، وإذا مشى في الشارع التقطت أذناه الكلام عن المسابقة ، إذا فتح التلفاز ...إذا امسك بجريدة ، العناوين في كثير من الصفحات التعيين للجميع ... مؤهلات عليا ..مؤهلات متوسطة ، حتى الإعدادية .
التزم في هذه الأيام بالصلاة ، وكان يطيل السجود ، ليدعو ، ويقرأ في المصحف ويدعو ، بل أصبح يضع في أيدي المتسولين جزءا من القليل الذي معه ، ليسمع دعواتهم فترتاح نفسه .
عندما كان يسمع يأس الخريجين وهم يتكلمون عن أن عملية التعيين هذه تفعلها الحكومة لكي تلهي الناس عن مشكلة الغلاء والبطالة ومعها مشكلة العراق وفلسطين ، حتى يجدوا شيئا يبعدهم عن التفكير في المظاهرات ، وأن الكثير منهم لن يتقدم إلى المسابقة ، كان يعتريه الهم والغم، لكنه سرعان ما يتمسك بالأمل من كلام خريجين آخرين بأن الحكومة ربما تكون صادقة ، لأن كل الوزراء يتكلمون وعلى رأسهم رئيس الوزراء الذي يعد بأن الوظائف حقيقية .
كان يخشى في قرارة نفسه أن يكون هذا الكلام كغيره عندما يسمع أن هناك مسابقة في إحدى المصالح الحكومية ، وأن هذه المسابقة قامت خصيصا ، ليتم تعيين مجموعة من أصحاب الوساطة بسبب سلطة أقربائهم ، أو أن يعين من يستطيع أن يدفع لأصحاب النفوذ.
الكلمات تمزقه لشعور والده بالعجز أمامه وشعوره بالانكسار أمام والده ..
استيقظ وهو يسمع من الجميع أن التلفزيون أعلن أن رئيس الوزراء أعطى تعليماته بان المسابقة تبدأ من الغد وحتى نهاية الشهر .
عشرون يوما أمامي ، لكن لن انتظر ليمر يوم واحد دون أن أكون قد قدمت أوراقي ، بل سأكون أول من يقدم أوراقه .. فربما!!
قال ذلك في نفسه ثم عزم على أن يتقدم بجميع شهاداته الإعدادية ، والثانوية، والشهادة الجامعية .
استيقظ قبل الفجر وصلى في المسجد في جماعة، ولم يفعل ذلك منذ شهر رمضان ، فقد عزم على أن يكون أول من يسلم أوراقه .
أخذ أوراقه الموضوعة في ملفات ثلاثة ، وانطلق يدفعه الأمل دفعاً، ولم لا ، وكل ما سمعه من الناس إن أحداً منهم لن يتقدم للمسابقة إلا قليل ، وربما يكون هذا القليل أقل مما تتطلبه المسابقة فيتم التعيين بسرعة ويصيب الغيظ زملاءه الذين لم يتقدموا ويتحول هو إلى مثار حسدهم .
كانت قدماه تطويان الأرض طياً وهو متجه لمكتب تسلم الأوراق الذي ما أن وصل عنده حتى وجد طابوراً طويلا قد اصطف قبل أن يفتح الشباك، وحتى قبل أن يأتي العاملون، ثم أبصر أصحابه الذين كانوا يقسمون بأغلظ الأيمان أنهم لن يتقدموا، بعضهم يقف في المقدمة ، وبعضهم في المنتصف ، وهو في آخر الصف الذي سرعان ما استطال فقد اصطف خلفه أكثر ممن أمامه .
ساعات طويلة قضاها حتى وصل إلى الشباك ، وكان جسده قد التصق ببعضه من شدة الحر والعرق، ولولا أن الملفات وقته من الشمس لسقط ، ولقيل عنه كما قال احد المتقدمين لزميله عندما سقط واحد من الصف - (واحد وقع عقبال الباقي ولا يبقى سوانا).
أحس أن من يقول لزميله ذلك يتمنى أن يسقط زميله حتى لا يبقى سواه .
سلم أوراقه للموظف الضجر الذي نظر في الملفات سريعا ثم ألقاها فوق كوم من الملفات التي قاربت أن توازي سطح مكتبه ، واخذ ثلاثة إيصالات من الموظف ثم جذب نفسه بقوة من بين الشباك وبقية الطابور الذي خلفه.
أخذ من يسلم أوراقه يقف بعيداً ينتظر من يخرج من الصف من أصدقائه ليهنئه على سلامة الوصول، ثم يتجمعون في مجموعات يباركون لبعضهم على الوظيفة والضحكات المرة تعلو.
لحق بإحدى المجموعات، فقابلوه جميعا بالأحضان والقبلات والتهاني على الثلاثة إيصالات التي يحملها ، مع أن كل منهم يحمل إيصالاً واحداً .
انتهت الأيام المحددة للمسابقة وما زالت الصحافة تتكلم ، والتليفزيون يعلن ، والناس تسمع ، لكن مع مرور الأيام توقفت الصحافة عن الكلام ، واختفت التصريحات التليفزيونية ، والناس انصرفت عن المتابعة .
شهر واثنان وثلاثة بدأت الصحافة تتكلم والتليفزيون يعلن والناس تخشى السماع ، لكن سريعا ما أخذ الناس في الكلام، الجميع يقول إن المسابقة أوشكت نتيجتها على الظهور ، وتعلق الجميع بالأمل .
أخرج إيصالاته الثلاثة عندما أخذ يسمع عن أخبار الخطابات الخاصة بإخطارات التعيين ، فلان ابن فلان جاءه خطاب التعيين، وفلانة بنت فلان جاءها خطاب التعيين ، وكان يسمع ذلك وكلما مر يوم أصابه الإحباط وابتعد عن الأمل .
استيقظ على صوت زغرودة والدته تأتي من خارج البيت ! ثم بصوتها الممتلئ بالفرح تخبره بأن خطاب التعيين جاءه.
انطلق مهرولاً وقدماه ترتعشان فلا تقويان على حمله ليجد رجل البريد يقف وقد أمسك الخطاب بيده ويقسم أنه لن يتنازل عن خمسين جنيهاً .
تحلق من في البيت وجيرانه حوله وهو يفتح خطاب التعيين بيده المضطربة ، ليجد أنه تم تعيينه عاملاً بالإعدادية .

إرسال تعليق

 
Top