في الطابق العلوي كانت هيّ خلف النافذة ،نظراتها المصوبة نحوه تشعره بقوة
خفية تجذبه وتصعد بروحه نحو فوق فضاءات شفبفة بلون الزهر العابق في ملكوت
الوجد .. كل يوم يمر من تحت تلك النافذة ،يتملكه ضمأ مجنون ، مجدبة تلك
الأشياء غير المرئية في جسده ،ماهذا الشيء الخفي الذي يتغلغل في بواطن
أعماقه؟ ،شيء ما غريب يربطه وكل عضو في جسده نحو تلك النافذة ،سحر غريب
وقوة مجهولة تدفعانه لتأمل ذلك الكائن الجميل ،كائن يطلق إشعاعات الحب
والرقة والجنون أيضا، ،طريقه إلى الجامعة التي يدرس فيها يمر من خلال
تلك النافذة ، موقن تماما أن كل الطرق محفوفة بالأشواك والعليق الراسخة في
رمال صحراء روحه ..ليست سوى تلك الطريق تشعره بزهو الحياة .حب كبير لا يتسع
له قلبه هذا الذي بحجم قبضة الكف ،حب لا تسعهُ الكرة الأرضية ولا حتى
المجرات البعيد ة ..كان يخرج قبل الأوان .. يقفُ عند انحناءة الزقاق ويتسمر
واقفا..يتلذذ في الوقوف في هذا المكان ،ألفة غريبة يستشعرها تشده إليه
،ترنو عيناه ‘إلى جنته الخضراء الموشاة بلون حبه الأخضر الجميل ،هيّ تعودت أن تتواجد في هذا الوقت بالذات ،كأن موعدا أُبرم بينهما وعهدا وميثاقا غليظا، على أن يتواجدا في المكان والزمان نفسه
،طالبات الجامعة لايثرن فضوله واهتمامه قدر تلك التي تقبع خلف النافذة ،كم
كان يتمنى لو يراها في مكان آخر غير هذا ..توسل بالأمكنة وبالوقت المستقطع
من أيام حياته أن يرحمه القدر الجميل مرة واحدة، لرؤيتها بمكان يستطع فيها
أن يكلمها وتكلمه ،يجلس معها وتجلس معه متى سيكونان وحيدين ؟،ربما
المصادفة الوحيدة التي تأتي دائما من غير ميعاد هي الكفيلة بجمعهما في
المكان المطلوب .، ما يؤلمه ويثير استغرابه ،هو لماذا لا يراها في مكان آخر غير محيط تلك النافذة ،هل أصبح حجم الكون بسعة تلك النافذة ؟
أعيتهُ الحيلة وأزداد وجعه من تلك الحال القلقة التي عصفت بكيانه ولم تعطه
فرصة لقاء معشوقته ،حاول بشتى الوسائل الممكنة أن يتكلم معها ،يخشى أن
يسمع شخص ما صوته فيثير الريبة والشك ،لا يريد أن يعلم به أحد خشية من أن
تُغلق النافذة ويُحرم من رؤيتها إلى الأبد ،كم تمنى ان يأخذ رقم
تلفونها ،طلب منها ذلك مرارا ،وكانت تشير له بحركة نفي ،وتشير له بحركة
راسمة بحركة يدها حرف "أكس " ،وأنها لا تملك موبايل أصلاً، تملكه حزن
شديد ويأس ممض ،طفق يبحث عن حل لتلك المسألة التي باتت تؤرّقهُ ،وتحرمهُ من
نومه ،،كان في مرحلته الأخيرة من الدراسة ..لم يفكر أن يعمل موظفا حكوميا
،أملاك أبيه وعقاراته في شغل عن التفكير في مستقبله ، ،كثيرا ما كان
يجلس لساعات طوال يفكر ،لمَ تلك الفتاة ملكت عليه لبه وعشقها حد الجنون ،
لمْ يخرج معها ولم يكلمها ولمْ يسمع صوتها قط ،فلمَ هذا العشق المجنون
،مالسّر في ذلك؟ ،هكذا كان يتساءل في قرارةِ نفسه..لم يجد جوابا يطفئ من
أجله نار الوله والعشق التي تضطرم في أعماقه ،الرسالة التي وصلته من يومين
عبر النافذة أوجعته كثيرا كتبت فيها بضع كلمات مختصرة _ابتعد عني أرجوك
..دعني أعاني لوحدي ..لن يجمعنا سقف واحد أبداً_حزن لوقع تلك الكلمات على
قلبه فقرر أن يضع حدا لعذاباته ووله بها ..فكر أن يسلك طريقا آخر ..
طريق ينسيه تلك الفتاة وحبه لها في طريق الذهاب استطاع الوصول إلى الجامعة
عن طريق آخر وفي العودة فعل الشيء نفسه ..ولكن مابال قدماه تقودانه عنوة
نحو طريق بيتها بالذات .، لذا قادتهُ قدماه ووجهه الشاحب إلى الطريق ذاته
،طريق فتاته التي لن يستطع الابتعاد عنها ،أدرك أن البعاد عنها ضرب من
الجنون أيقن تماما انه مصاب بمرض لا يمكن الفكاك منه ،مرض شفيف حزين
يتملكه ويتغلغل في أعماقه وشرايينه ومسرى دمه ، كالنسيم الذي يهب في أواخر
ليل نيسان عندما يمر ينكأ جراح العاشقين ،وقفَ أمام النافذة قبالتها تماماً
،ورفع صوته عالياً دون أن يحفل بالمارة و الجيران القريبين..لم يعد يهمه
شيء بعد الآن ..وان كان يدرك أن مايفعله هو نوع من النزق والطيش ..ولكنه
أذعن لرغباته في أن يفعل شيئا ..أي شيء من اجل لقاء فتاته .__أسمعيني
..أريد أن أراكِ في مكان أنتِ تختارينه؟أي مكان يعجبك ..هل تسمعينني..أريد
أن اتزوجك ياسيدتي بحلال الله ورسوله ؟..تراجعَ إلى الوراء قليلا ،التفتَ
يميناً وشمالا ،الشارع كان خالياً ،والنافذة مفتوحة ،لا شيء في الفراغ
،ظلال وعتمة ،كانت الستارة الخضراء الداكنة تتحرك ببطء ،زجاج النافذة يلصفُ
،عدم وجودها خلف النافذة ،أفقده صوابه ..انتظر طويلاً.مر وقت طويل وهو
يحدق بالنافذة نظرَ إلى ساعته ،هّز رأسه بأسف وانطلق يشق الشارع الإسفلتي صوب جامعته ،طوال مسافة الطريق يتساءل ،في قرارة نفسه عن سر غيابها ،
__هل اغتاضت مني لأني انقطعت عنها يومين متتاليين أم أصابها عارض ما ،أين
ياتُرى أن أراها ..لعلني أكحل عيني برؤيتها في طريق عودتي من الجامعة
..حتما سأجدها ..أزف موعد خروجه وانتهاء محاضرته الأخيرة ،خرج مسرعا لا
يلوي على شيء ،وصل بعد عناء ،وقف أمام بيتها ،تعلقت عيناه بنافذتها ،
كانت النافذة مغلقة ،وقف يترقب ،انقضى زمن وهو بتشاغل عن الأعين التي
ترصدهُ ،بعلم جيدا أن وقوفه غير مرغوب فيه ،وانه عرضة للتساؤل ، البيت يخيم
عليه صمت مخيف,صمت مريب ، .الأصوات التي كان يسمعها في الطابق الأرضي
اختفت ..كأن الدار خلت من أصحابها ..اختفت الأصوات نهائيا ..بدا له البيت
كغول كبير ،غول عملاق يريد أن يبتلعه ،كانت الشمس تصفع وجهه الذي احمّر
بفعل انعكاس أشعة الشمس اللاهبة ..الهواء اللذيذ الذي كان يداعب وجهه
الجميل ،توقف ،لم تكن هنالك أية نسمة هواء ،حتى رؤوس الأشجار كانت واقفة
كالتمثال لم تتحرك أي ورقة منها ،عاد أدراجه إلى بيته ،دخل غرفته ،امتنع عن
تناول وجبة غدائه مع أمه ،اعتكف في غرفته..أطلق العنان لهواجسه وأحلامه
الضائعة شملهُ حزن كبير ،ضاقت الدنيا يكل فضاءاتها أمام عينيه ،لم يعد
يرى شيئا ذي قيمه ..بدا كل شيء تافها لامعنى له ..خرج من بيته صباحا ،كان
يوم عطلة ،الجمعة يوم استراحة كل المؤسسات والمدارس وغالب الأعمال
تستريح في هذا اليوم ،إلاّ هو ..خرجَ مسرعاً كالملهوف ميمماً وجهه شطر
منزلها ، ما أن وصل إلى الدار ،وقبل أن تقع عيناه على النافذة ،خطفت أنظاره
قطعة سوداء كتُبت باللون الأبيض ،معلقة يمين الباب الرئيس ،اقترب
منها ..فاغراً فاه ،عقدت لسانه الدهشة ،اصطكت قدماه ،تحاملَ جاهداً في أن
يشد من جسده الذي بدا "يختّض" كالسعفة ،شعر بظل إمرأة قريب منه ،تراجع خطوة
إلى الخلف..عيناه تقرءان الكلمات..تداخلت الحروف مع بعضها لم يعد يدرك
ماكان مكتوباً بالقماشة جاءه صوت المرأة: :__خطية ،،ماتت البارحة ،،لم تنجح العملية ..مسكينة ___............؟! __كانت عملية جراحية صعبة ،لو بقيتْ على ماكانت عليه ،لكانت أفضل حالاً __ماذا كان بها ؟ مم تعاني ؟ __ مشلولة على كرسي متحرك ..كانت تحلم أن تمشي على قدميها ..هل انت قريبها ؟> تركها تتكلم وانفلت ماشياً.. تصطدم قدماه ببعضعهما ..يحث الخُطى صوب المجهول ،لايعرف أين تقودهُ قدماه .. و صوتُ المرأةمازال يثقب أذنيه .. كرصاص ينهمر من كل الأماكن ،كوابل من مطر وصقيع خُيّل إليه أنه يسمعَ صوتها ،يلتفت ،يعاود المسير ،يسمع صوتها ثانية ،يلتفت نحوها
..تقترب منه وهي تدفع دولاب كرسيها المتحرك ..يقترب منها ،تبتسم له وتمد
كفها نحو ..يحني رأسه يقبّل كفها الممدودة إليه ..كفه تمسك بالفراغ وشفتاه
تقبلان الظل الباهت.
إرسال تعليق