وقد عبر علماء التوحيد القدامى عن قضية حدوث الكون ،وابتدائه من العدم ؛بقدرة الله على الشكل التالي : نظروا إلى الكون فوجدوا ما فيه على نوعين: نوع يقوم بذاته ، ونوع لا يقوم بلا ذات فمثلا الجسم يقوم بذاته ، لكن المرض لا يكون بلا جسم ، والذرة تقوم بذاتها ، ولكن الحرارة لا تكون بلا ذات ، وسموا ما يقوم بذاته الجوهر ، ومالا يقوم إلا بالجوهر عرَض ، فالذرة جوهر وحرارتها عرض ، والجسم جوهر ، والصحة عرض، وقالوا: إن الجوهر لا ينفك عن الأعراض ، فما رأينا جوهرا إلا ويلازمه عرض ما ، وكل عرض حادث ، فالظلام حادث فمنذ فترة ؛ كان قبله نهار ، والنهار حادث فمنذ فترة كان قبله ليل ، وحرارة الذرات مهما كانت فإن لها بداية ، وإذا كان لا جوهر إلا بعرض فلا جوهر إلا وله بداية، فالكون جواهره وأعراضه كله حادث وليس أزليا .
مناقشة سؤال: ويثير الناس عند الوصول إلى هذه الحقيقة السؤال التقليدي: من خلق الله الذي خلق الخلق ؟ وفي مضمون السؤال الجواب عليه ، فالله حق ، وكونه خالقا يجعلنا لا نتصور أنه مخلوق ، إذ لو كان مخلوقا – حاشا لله - لما استطاع أن يخلق ، ألا ترى أن الإنسان مثلا مع كل ما أوتي من إمكانيات ؛ لم يستطع أن يخلق شيئا من عدم ، فكيف نتصور خالق هذا الكون مخلوقا؟
ويقول الأستاذ البنا -رحمه الله - مجيبا هؤلاء الذين يسألون هذا السؤال: إذا وضعت كتابا على مكتبك ، ثم خرجت من الحجرة ، وعدت إليها بعد قليل ، فرأيت الكتاب الذي تركته على المكتب موضوعا في الدرج ، فإنك تعتقد تماما أن أحدا لا بد أن يكون قد وضعه في الدرج ، لأنك تعلم من صفات هذا الكتاب ، أنه لا ينتقل بنفسه ، احفظ هذه النقطة، وانتقل معي إلى نقطة أخرى، لو كان معك في حجرة مكتبك شخص جالس على الكرسي ، ثم خرجت وعدت إلى الحجرة ، فرأيته جالسا على البساط مثلا : فإنك لا تسأل عن سبب انتقاله ، ولا تعتقد أن أحدا نقله من موضعه ، لأنك تعلم من صفات هذا الشخص أنه ينتقل بنفسه ، ولا يحتاج إلى من ينقله احفظ هذه النقطة الثانية ، ثم اسمع ما أقول لك:
لما كانت هذه المخلوقات محدثة ،ونحن نعلم من طبائعها وصفاتها أنها لا توجد بذاتها ، بل لا بد لها من موجد ، عرفنا أن موجدها هو الله - تبارك وتعالى - ولما كان كمال الألوهية ؛ يقتضي عدم احتياج الإله إلى غيره ، بل إن من صفاته قيامه بنفسه ، عرفنا أن الله - تبارك وتعالى - موجود بذاته ، وغير محتاج إلى من يوجده ، وإذا وضعت النقطتين السابقتين إلى جانب هذا الكلام ؛ اتضح هذا المقام ، والعقل البشري أقصر من أن يتورط في أكثر من ذلك، وقد كان علماء التوحيد يرون أن مثل هذا السؤال لا معنى له.


إرسال تعليق