GuidePedia

0
سر البعيد باتع!
***********

كانت أختي عليَّه تضربنا بما تصل إليه يدها؛ وتصرخ إن حاولنا الدفاع عن أنفسنا. وكانت تحرص على أن تلفت الأنظار إليها.. تركب الحمير وتتسلق الأشجار وتأخذ ما بداخل الأعشاش من البيض؛ أو فراخ الطير؛ حتى النخلة السامقة في بيت صديقي مينا لم تسلم هى الأخرى منها. كانت تصعد إليها بمهارة؛ وتهمل نداءات لوليَّا أم مينا بأن تنزل خوفاً عليها. ولكنها كانت تواصل التسلق حتى تبلغ أعلى النخلة؛ ثم تأكل من البلح الأحمر الذي كان يخلب لبها؛ فتشتهيه بجنون. وظل السؤال قائماً "لماذا تفعل عليَّه ذلك؛ ومشنتنا لا تخلو من البلح في صيف كل سنة لرخص ثمنه؟"
مرة سألتها: لماذا؟
أجابت بلثغة في لسانها ضحكت لها "ثِر البعيد باتع." أي بضاعة الغريب مرغوبة.
كدت أُجَن. كيف حفظت تلك النبتة الصغيرة شتلة الورد هذه الجملة العويصة من فم جدي لأمي؛ وهو يرددها لأبي كلما فضل عبور الجسر الخشبي؛ والحلاقة عند مزين العزبة المقابلة لقريتنا؛ لنظافته وبراعته في تصفيف الشعر؛وترك مزين قريتنا؟ بل كيف استطاعت فهم معنى ما يرمي إليه جدي لأمي من جملته؛ فطبقته على النخلة؟
كانت لوليَّا ذات وجه مريح أبيض ناصع ريان ومحدب الذقن قليلاً؛ وكنت كلما نظرتها أقول لنفسي هذه هى ستنا مريم الحقيقية وابنها مينا سيدنا عيسى عليه السلام. وفي كل مرة كانت لوليا تنتظر عليَّه تحت النخلة حتى تهبط؛فتربطها برفق ولين في النخلة نفسها حتى لا تعود إلى ما فعلت؛ أو تصرفها على استحياء وهى تربت كتفها وتقفل باب الدارة. حتى شجرة التفاح المثمرة الكائنة في غيط مأذون القرية الشيخ سمعان لم تفلت من بين يديها الصغيرتين؛ لا لآن "ثِر البعيد باتع." ولكن لآن التفاح كان عزيزاً كالأعياد. وذات يوم ضبطها الشيخ وهى متعلقة كالقردة في الشجرة؛ تأكل بنهم من ثمرها؛ وتلقي لأترابها من البنات بالبذر والثمار "كلوا كلوا". فنهرها الشيخ وخوفها بأن يسلمها لعفريت الطاحونة المهجورة إن لم تهبط. فأخذت تنزل وجسدها ينتفض كفرخ صغير ابتل ريشه؛ وكتفيها متيبستين ككتفا الشيخ. ولما كان الشيخ حنون مثل لوليَّا؛ ولا يطردنا كلما غنينا أمام باب دارته الأغنية الدائرية التراثية الجميلة "لها قصة" فقد اكتفى بقرط أذن عليَّه وهى تبكي وتنهنه وتهرول كالممسوسة حافية القدمين وقد نسيت مداسها تحت الشجرة؛ فصارت حرارة الأرض تلسع باطن قدميها؛ وهى تجري كالظبية لتلحق برفيقاتها الميامين وقد تخلوا عنها فور وقوعها في الأسر.
****

قصة قصيرة
عزت عبد العزيز حجازي
27/8/2015
من روايتي القادمة (الأنياب الباردة)

صورة ‏عزت عبد العزيز حجازي‏.

إرسال تعليق

 
Top