يوميات وكيل نيابة
بقلم : المستشار بهاء المرى
------------------------------
من المشرحة
إنك
لتفزع إنْ رأيت جرحا عميقا أو إصابة بالغة ، فهل لك أن تتخيل أجساد الناس وهى طريحة منضدة
التشريح
، أسيرة
المشارط والمطارق والمناشير ، وهل
يمكنك احتمال رؤية التقطيع والتفتيت والتكسير والتمزيق .
كنتُ
بداية عهدى بالعمل أذهب بخيالى إلى أبعد مدى فى تصوُّر أجساد الناس وهى تقبع تحت
المشارط فى غرفة التشريح ، وكنت
حين أستمع إلى كبير الأطباء الشرعيين ، أرسم من خلال أحاديثه صورا لما يتم تقطيعه أو
تكسيره أو تمزيقه من هذه الأجساد ، كى أشحذ النفس على معايشة هذا الواقع المؤلم
الغريب .
ولكن
فى المشرحة وأمام تلك الأجساد التى لم تعد سوى أدوات يقاس بها الدليل ، فإن الأمر
جدّ خطير ويفوق كل تخيل .
التففنا
حول الجسد المسجى على المنضدة ، ويدخل الطبيب الشرعى ، ويجرى مساعده فيسبقه ، ويرفع
من على الأرض حقيبة إلى جوار الجسد ويُخرج منها أدواته ، مقصات ، مناشير مطارق ، مشارط
. . . . . إلخ .
ويرتدى
مساعد الطبيب الشرعى قفازه ، ويضرب المِبضع فى البطن فيبقرها ، فتخرج الأمعاء من
مكمنها ، وهنا اتسعت العيون وارتعدت الفرائص وارتجفت القلوب ، وسقط مغشيا عليه من
سقط ، وجرى من استطاع أن يتماسك ولاذ خارج هذه الحجرة المفزعة ، وتسمَّر باقى
الحضور كل فى مكانه وكأن الطير فوق الرؤوس ، وكسَت الوجوه غبرة ، وخيَّم على
المكان صمت رهيب وكرهنا الدنيا فى لحظات .
ولم يعبأ الطبيب الشرعى بغير عمله ، فأومأ
للمساعد مشيرا إلى البطن فأمسك بالمقص وقص من الأمعاء جزءا عبأه فى زجاجة ، وما أن
فرغ منها حتى استكمل أعماله دون إيماءات جديدة فكأن الإيماءة الأولى بمثابة إشارة
البدء بالعمل ، فأتى بمنشار قديم صدِئ من مناشير الخشب وراح يحز بين التقاء الضلوع
فانشق الصدر وظهر القلب ، فتفحصه الطبيب بمبضعه ، ثم تناول جزءا من الرئتين فتته
وتحفظ عليه ، ثم صعد إلى أعلى فشق الحلق وفحص منه العظم اللامى ، ثم ذبح الرأس من
الخلف فانقشعت إلى الأمام الفروة ، وبالمنشار حزَّ العظام طبقة ثم طبقة حتى أتى
إلى أخرى فقابله المخ فأعمل فيه نظراته ، وكان الطبيب الشرعى يتابعه فى كل خطوة من
هذه الخطوات ويوجهه ، ثم يدون ملاحظاته .
ثم
نفض المساعد يديه وانتحى جانبا ، وكان قد كوَّم ما تبقى من الأعضاء إلى جوار
صاحبها ثم جمعها وكأنها فضلات مائدة ، وفى داخل البطن ألقاها ، ثم شدَّ عليها
الخيط ، ولم يكن كخيط الجراحة وإنما كخيط
الخيش والأجولة ، وكان المخيط كمخيط هذه الأشياء .
وهكذا
رأيت أجساد البشر وهى تُمتهن بما جنت أيدى البشر ، أهذا هو الإنسان ، أهذا هو
الأسد الجسور حين يملك الزمام ، أهذا هو المغرور حين يُؤتى النعم ، أهذا هو الماكر
الحاقد الحاسد حين يشذ عن الأخلاق .
إن
الصورة لمفزعة ، والعبرة أكبر من أن ُتستوعب ، والعظة أعظم مما تصرخ به ، ويكون
الناظر أسير الصمت والفزع ، فيسلم كل حواسه لما يرى راغبا أم غير راغب ، متعظا أم
مبهوتا وكُره الدنيا ولو للحظات يسود .
وليس مرَدُّ هذا الاستسلام جفاف القلوب أو موت
الأحاسيس ، وإنما هو شىء آخر قد تحار فى تفسيره ، ربما يكون نوعا من التبلد يصم
المشاعر حين يتمثل المرء حقيقة نفسه فى مثل هذا الجسد الذى بات يتأفف منه كل من
كان لا يحتمل على صاحبه شوكة يشاكها ، أو ربما يكون نوعا من الفزع أو فقدان
الإحساس بالمكان والزمان فى جو تسوده مثل هذه الرهبة والعظة ، فينتاب المرء
استشعار لحظى بتفاهة الدنيا وضعف البشر ، ومن ثم ينظر ولا يشعر وفى النهاية لابد
أن يتفكر .
وأمام مثل هذه الأحوال
وغيرها نشعر بضآلتنا وبصغر أحجامنا وعقولنا ، ونكره الشرور والآثام ، ثم تأخذنا
الحياة ، فنعود وننسى ، ونتكبر ونتجبر ، ونضل ونظلم ، ويكون الخطأ وتكون الخطيئة ،
إنها الدنيا وهكذا الإنسان !

إرسال تعليق