قصة طويلة مسلسلة خلال شهر رمضان
الحلقة 12
طريق الآلام
1939
خرج وحيدا من عمله في البلدية يحمل على رأسه هموم الأرض، أخذته أقدامه للتجول في الحارات والطرقات والأبواب القديمة للمدينة الأثرية العتيقة، مر على الحارات الأربع المشكلة للحرم المحيط بالمسجد الأقصى والتي مثلت عبر التاريخ صورة فريدة لم تتكرر للتعايش بين الأديان. صلى في المسجد الأقصى ثم خرج ليجد نفسه أمام حائط البراق والذي يحارب اليهود من أجل جعله حائط المبكى حسب معتقدهم أنه آخر آثار الهيكل المقدس. أخذته أقدامه إلى طريق الآلام الذي يعتقد المسيحيون أن فيه كانت آخر خطوات المسيح بين مكان القبض عليه في بستان جثسيماني وحتى مكان الصلب في تلال جلجثة أو كنيسة القيامة اليوم. مر عبر البوابات القديمة للمدينة العتيقة وهو يتأمل في عيون الناس. ذهب البريق الذي ميز نظراتهم وظهر الانكسار واضحا في قسماتهم. وصل إلى مسجد عمر بن الخطاب فصلى فيه الصلاة الحاضرة وهو يتذكر قيمة وأهمية المدينة للمسلمين، إنها جامعة للأديان والمعتقدات ونموذج فريد للتعايش ليس له مثيل.
وصل إلى المقهى القريب من الأقصى والذي كان يحب والده الجلوس فيه. حياه بعض أصدقاء والده القدامى ثم انضم إليهم العديد من الأصدقاء فتكونت حلقة مختلفة الأعمار ممن عاصروا نهايات الحكم العثماني وحتى الشباب الصغير الذي ولد وترعرع في ظل الاحتلال.
بدأ صديق والده المقرب أبو طارق الحديث قائلا: : كيف حالك يا يوسف؟ تبدو مهموما تحمل الدنيا فوق رأسك.
تنهد يوسف قائلا: ألم تسمع ببداية الحرب في أوروبا؟
فعقب أبو طارق: وماذا يضيرك في ذلك؟ هذا خبر رائع لنا فسيقومون بتدمير دولهم وإضعاف جيوشهم وبالتالي ستتمكن ثورتنا من الانتصار وطرد الانجليز واليهود معا.
ابتسم يوسف بسخرية قائلا: يبدو أنك لا تعيش في هذا البلد أو أنك متفائل يا عم أبو طارق. لقد تقسمت قوات الثوار وتشتت أو استشهدت القيادات و توقف وصول السلاح، بخلاف الاعتقالات والاعدامات والقتل المستمر مع هدم المنازل.
دخل بعض الموجودون في الحوار الذي بدأت حرارته في الارتفاع فقال أحد الشباب: لقد استطاع الانجليز زرع الخوف في قلوب البعض وبث الفرقة وزرع العداوة بين الفقراء والأغنياء، سأقرأ عليكم بعض المنشورات التي كانت تلقيها الطائرات على رؤوسنا طوال السنوات الماضي:
( من الذي يخسر بسبب الأعمال الخارجة على القانون القائمة الآن؟ إن الرجل الغني يعيش مرتاحاً في المدينة، هو لا يعرّض أسباب معيشته للخطر، ولكنه يطلب إلى الرجل الفقير أن يفعل ذلك. إن الذي يخسر هو ذلك التاجر الصغير الذي أُجبر على إغلاق دكانه. إن الذي يخسر هو ذلك البائع الصغير الذي تتلف بضائعه فيما لو حاول بيعها. إن الذي يخسر هو الفلاح الذي لا يستطيع أن يبيع محصولاته في السوق. أليس بصحيح؟
إن الرجل الفقير هو الذي يخسر دائماً. ومع ذلك فإن كل هذه الأعمال لا طائل تحتها. فحالما يستتب النظام تقوم لجنة ملكية بالتحقيق الوافي في ظلامات العرب بدون تحيّز أو محاباة. إنكم لن تجنوا شيئاً من مواصلة أعمال التخريب، فهو إنما يسبب التعب لكم ولقريتكم. الزموا الهدوء والسكينة، ودعوا التحقيق يبدأ ".
" في أوقات الضيق عندما أمسكت السماء عن المطر وأمحلت مزروعاتكم أعفتكم الحكومة من دفع الضرائب، ومدت الحكومة يد المساعدة لكم وأعانتكم، ولكن الحكومة الآن تنفق أموالها على توقيف الأعمال الخارجة على القانون. فإذا لم تتوقفوا عن الأعمال الخارجة على القانون، وتحافظوا على النظام، فلا يكون هنالك إعفاءات من الضرائب ولا إعانات وترتفع الضرائب. إنكم أنتم الذين تتضرّرون. من الذي يخسر من جراء الأعمال الخارجة على القانون؟ إن الذي يخسر هو أنتم وقريتكم "
بعد انتهاء الشاب من قراءة ما في يده دخل في الحوار شاب آخر قائلا: ولا تنسوا ضغف وهوان وخيانة قياداتنا السياسية وعدم مساندتها للثوار، فمن ينسى موقف فخري النشاشيبي، زعيم حزب الدفاع المعارض حين حين أقام حربا شعواء معارضة لقيادة المفتي، وإرساله رسالة إلى المندوب السامي بعد صدور قرار التقسيم الحقير، أعلن فيها أن العرب راضون عن إلغاء مشروع التقسيم، وأن المفتي لم يعد يمثّل الرأي العام العربي في فلسطين. وبدأ، بدعم علني من السلطات، بتنظيم " فرق سلام " لمحاربة الثوار المتعاطفين مع المفتي. وقد انضم إلى تلك الفرق كثيرون من قادة فرق الأنصار، الذين كانوا مرتبطين بآل النشاشيبي، و" ألبس الشباب الذين تركوا العصابات بزات عسكرية، ورافقوا الجنود إلى الجبال لإرشادهم إلى أوكار الثوار "، وصاروا يردّون " على العمليات الثورية ضد اليهود والاحتلال بمهاجمة رجال الثورة.
مع ازدياد حماسة الحوار دخل يوسف فيه مرة أخرى رغم حذره الشديد بسبب حساسية موقفه قائلا: ولابد أن نضع في الاعتبار عمليات الاغتيال السياسي التي اعتمدها الانجليز واليهود ضد كل القيادات التي تتعاون مع الثورة ومنها عمليات الاغتيال تلك استهدفت " الأخوين أحمد ومحمد إرشيد، من قرية صير قضاء جنين، وقد عرفا بمساندة الثورة ومدها بالمساعدات قبل اغتيالهما "، كما استهدفت " حسن صدقي الدجاني الذي كان من قادة ومنظمي الإضراب الكبير عام 1936 ." وبالطبع اغتيال الشيخ عز الدين القسام قبل الثورة بقليل ثم اعدام الشيخ فرحان السعدي وغيرها من الاغتيالات والاعتقالات التي أدت إلى ما وصلنا إليه اليوم.
توسعت دائرة النقاش، وبدأ كل طرف يتدخل بمعلومة يعرفها ويبدي رأيه من زاوية مختلفة، لكنت الجميع اتفقوا على أن عدم وجود قيادة موحدة وضعف وتخاذل الموقف العربي أهم أسباب فشل الثورة في تحقيق أهدافها الكلية رغم أنها انتزعت اعترافا انجليزيا بضرورة إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. وكان لأبو طارق التعقيب الأخير بعد أن تمكنت منه العبرات واختنق صوته: سلمتنا الدولة العثمانية جبرا للاحتلال الانجليزي، أذكر دخول الجنرال اللنبي عام 1917 وكأنه بالأمس، دخل مغرورا منتشيا ممثلا لقوة منتصرة في حرب بكل معنى الكلمة، كان الدخول الأول منذ عام 1187 . لقد كتب الله على بلدنا أن تكون مجمع الأديان كما كتب عليها أن تكون انعكاسا لأيام القوة والضعف في تاريخ العرب، ويبدو أننا نعيش مرحلة ضعف أرجو ألا تكون طويلة، لقد استلزم الغرب أكثر من 800 عام لتكون لديهم القوة ليعودوا. نظر له يوسف قائلا: الوضع مختلف يا أبو يوسف، من باعنا هم القادة الباحثون عن ترسيخ دائم حكمهم بالاتفاق مع القوة العظمى في العالم أو بعض الطامعين في المساعدة للقفز على الحكم. أما الشعوب فإنها معنا قلبا وقالبا وهذا ما يجعل في المستقبل الغامض أملا
حقيقيا.
انفض الاجتماع المصغر وقلوب الجميع محطمة متألمة، سار يوسف على جانب الحائط المقدس. أسند ظهره إلى حائط البراق وجلس. وضع رأسه بين كفيه... وبكى
طريق الآلام
1939
خرج وحيدا من عمله في البلدية يحمل على رأسه هموم الأرض، أخذته أقدامه للتجول في الحارات والطرقات والأبواب القديمة للمدينة الأثرية العتيقة، مر على الحارات الأربع المشكلة للحرم المحيط بالمسجد الأقصى والتي مثلت عبر التاريخ صورة فريدة لم تتكرر للتعايش بين الأديان. صلى في المسجد الأقصى ثم خرج ليجد نفسه أمام حائط البراق والذي يحارب اليهود من أجل جعله حائط المبكى حسب معتقدهم أنه آخر آثار الهيكل المقدس. أخذته أقدامه إلى طريق الآلام الذي يعتقد المسيحيون أن فيه كانت آخر خطوات المسيح بين مكان القبض عليه في بستان جثسيماني وحتى مكان الصلب في تلال جلجثة أو كنيسة القيامة اليوم. مر عبر البوابات القديمة للمدينة العتيقة وهو يتأمل في عيون الناس. ذهب البريق الذي ميز نظراتهم وظهر الانكسار واضحا في قسماتهم. وصل إلى مسجد عمر بن الخطاب فصلى فيه الصلاة الحاضرة وهو يتذكر قيمة وأهمية المدينة للمسلمين، إنها جامعة للأديان والمعتقدات ونموذج فريد للتعايش ليس له مثيل.
وصل إلى المقهى القريب من الأقصى والذي كان يحب والده الجلوس فيه. حياه بعض أصدقاء والده القدامى ثم انضم إليهم العديد من الأصدقاء فتكونت حلقة مختلفة الأعمار ممن عاصروا نهايات الحكم العثماني وحتى الشباب الصغير الذي ولد وترعرع في ظل الاحتلال.
بدأ صديق والده المقرب أبو طارق الحديث قائلا: : كيف حالك يا يوسف؟ تبدو مهموما تحمل الدنيا فوق رأسك.
تنهد يوسف قائلا: ألم تسمع ببداية الحرب في أوروبا؟
فعقب أبو طارق: وماذا يضيرك في ذلك؟ هذا خبر رائع لنا فسيقومون بتدمير دولهم وإضعاف جيوشهم وبالتالي ستتمكن ثورتنا من الانتصار وطرد الانجليز واليهود معا.
ابتسم يوسف بسخرية قائلا: يبدو أنك لا تعيش في هذا البلد أو أنك متفائل يا عم أبو طارق. لقد تقسمت قوات الثوار وتشتت أو استشهدت القيادات و توقف وصول السلاح، بخلاف الاعتقالات والاعدامات والقتل المستمر مع هدم المنازل.
دخل بعض الموجودون في الحوار الذي بدأت حرارته في الارتفاع فقال أحد الشباب: لقد استطاع الانجليز زرع الخوف في قلوب البعض وبث الفرقة وزرع العداوة بين الفقراء والأغنياء، سأقرأ عليكم بعض المنشورات التي كانت تلقيها الطائرات على رؤوسنا طوال السنوات الماضي:
( من الذي يخسر بسبب الأعمال الخارجة على القانون القائمة الآن؟ إن الرجل الغني يعيش مرتاحاً في المدينة، هو لا يعرّض أسباب معيشته للخطر، ولكنه يطلب إلى الرجل الفقير أن يفعل ذلك. إن الذي يخسر هو ذلك التاجر الصغير الذي أُجبر على إغلاق دكانه. إن الذي يخسر هو ذلك البائع الصغير الذي تتلف بضائعه فيما لو حاول بيعها. إن الذي يخسر هو الفلاح الذي لا يستطيع أن يبيع محصولاته في السوق. أليس بصحيح؟
إن الرجل الفقير هو الذي يخسر دائماً. ومع ذلك فإن كل هذه الأعمال لا طائل تحتها. فحالما يستتب النظام تقوم لجنة ملكية بالتحقيق الوافي في ظلامات العرب بدون تحيّز أو محاباة. إنكم لن تجنوا شيئاً من مواصلة أعمال التخريب، فهو إنما يسبب التعب لكم ولقريتكم. الزموا الهدوء والسكينة، ودعوا التحقيق يبدأ ".
" في أوقات الضيق عندما أمسكت السماء عن المطر وأمحلت مزروعاتكم أعفتكم الحكومة من دفع الضرائب، ومدت الحكومة يد المساعدة لكم وأعانتكم، ولكن الحكومة الآن تنفق أموالها على توقيف الأعمال الخارجة على القانون. فإذا لم تتوقفوا عن الأعمال الخارجة على القانون، وتحافظوا على النظام، فلا يكون هنالك إعفاءات من الضرائب ولا إعانات وترتفع الضرائب. إنكم أنتم الذين تتضرّرون. من الذي يخسر من جراء الأعمال الخارجة على القانون؟ إن الذي يخسر هو أنتم وقريتكم "
بعد انتهاء الشاب من قراءة ما في يده دخل في الحوار شاب آخر قائلا: ولا تنسوا ضغف وهوان وخيانة قياداتنا السياسية وعدم مساندتها للثوار، فمن ينسى موقف فخري النشاشيبي، زعيم حزب الدفاع المعارض حين حين أقام حربا شعواء معارضة لقيادة المفتي، وإرساله رسالة إلى المندوب السامي بعد صدور قرار التقسيم الحقير، أعلن فيها أن العرب راضون عن إلغاء مشروع التقسيم، وأن المفتي لم يعد يمثّل الرأي العام العربي في فلسطين. وبدأ، بدعم علني من السلطات، بتنظيم " فرق سلام " لمحاربة الثوار المتعاطفين مع المفتي. وقد انضم إلى تلك الفرق كثيرون من قادة فرق الأنصار، الذين كانوا مرتبطين بآل النشاشيبي، و" ألبس الشباب الذين تركوا العصابات بزات عسكرية، ورافقوا الجنود إلى الجبال لإرشادهم إلى أوكار الثوار "، وصاروا يردّون " على العمليات الثورية ضد اليهود والاحتلال بمهاجمة رجال الثورة.
مع ازدياد حماسة الحوار دخل يوسف فيه مرة أخرى رغم حذره الشديد بسبب حساسية موقفه قائلا: ولابد أن نضع في الاعتبار عمليات الاغتيال السياسي التي اعتمدها الانجليز واليهود ضد كل القيادات التي تتعاون مع الثورة ومنها عمليات الاغتيال تلك استهدفت " الأخوين أحمد ومحمد إرشيد، من قرية صير قضاء جنين، وقد عرفا بمساندة الثورة ومدها بالمساعدات قبل اغتيالهما "، كما استهدفت " حسن صدقي الدجاني الذي كان من قادة ومنظمي الإضراب الكبير عام 1936 ." وبالطبع اغتيال الشيخ عز الدين القسام قبل الثورة بقليل ثم اعدام الشيخ فرحان السعدي وغيرها من الاغتيالات والاعتقالات التي أدت إلى ما وصلنا إليه اليوم.
توسعت دائرة النقاش، وبدأ كل طرف يتدخل بمعلومة يعرفها ويبدي رأيه من زاوية مختلفة، لكنت الجميع اتفقوا على أن عدم وجود قيادة موحدة وضعف وتخاذل الموقف العربي أهم أسباب فشل الثورة في تحقيق أهدافها الكلية رغم أنها انتزعت اعترافا انجليزيا بضرورة إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة. وكان لأبو طارق التعقيب الأخير بعد أن تمكنت منه العبرات واختنق صوته: سلمتنا الدولة العثمانية جبرا للاحتلال الانجليزي، أذكر دخول الجنرال اللنبي عام 1917 وكأنه بالأمس، دخل مغرورا منتشيا ممثلا لقوة منتصرة في حرب بكل معنى الكلمة، كان الدخول الأول منذ عام 1187 . لقد كتب الله على بلدنا أن تكون مجمع الأديان كما كتب عليها أن تكون انعكاسا لأيام القوة والضعف في تاريخ العرب، ويبدو أننا نعيش مرحلة ضعف أرجو ألا تكون طويلة، لقد استلزم الغرب أكثر من 800 عام لتكون لديهم القوة ليعودوا. نظر له يوسف قائلا: الوضع مختلف يا أبو يوسف، من باعنا هم القادة الباحثون عن ترسيخ دائم حكمهم بالاتفاق مع القوة العظمى في العالم أو بعض الطامعين في المساعدة للقفز على الحكم. أما الشعوب فإنها معنا قلبا وقالبا وهذا ما يجعل في المستقبل الغامض أملا
حقيقيا.
انفض الاجتماع المصغر وقلوب الجميع محطمة متألمة، سار يوسف على جانب الحائط المقدس. أسند ظهره إلى حائط البراق وجلس. وضع رأسه بين كفيه... وبكى
إيهاب بديوي
30-6-2015
13-رمضان- 1436
30-6-2015
13-رمضان- 1436

إرسال تعليق