GuidePedia

0
القطة "باسيت"
************

تجلس القطة "باسيت"؛ تنفض عنها التراب؛ تلم ذيلها الأسود حولها. القطة مرفوعة الرأس؛ خضراء العينين؛ تتأملني وذراعيها قائمين أمامها مثل عامودين من جرانيت قابعين قبالة باب معبد "آمون" إله الشمس والريح والخصوبة في مصر القديمة.....!
القطة صدرها وحده هو الأبيض؛ وجزء من بطنها؛ وكأن المعبد مضاءاً من الداخل.....! وقورة؛ قوية؛ جادة؛ مُتكبرة؛ ومستعدة لتلقي فروض العبادة في أي وقت يختاره العباد.....!
تذكرني القطة بـ"خوفو" العظيم؛ الذي كاد أن يفلس وسط فراعنة المقاولين بناة الهرم الأكبر.....! فقال له الكهنة أن أحداً لن ينقذه من ورطته غير القطة "باسيت" روح إيزيس ربة السحر؛ والمعبودة في شرق الدلتا.....! فلا يكذب خبراً. ومن على كرسي عرشه يأمُر ببناء معبد كبير يقام لها هناك؛ وفيه تقدم أطايب القرابين من فئران سمينة وعصافير.....! وحيث أن جدي "خوفو" قد أقيل من عثرته والحمد لله وأكمل بناء الهرم الأكبر؛ لذا "أليس من الممكن أن تكون الخبيثة "باسيت" باتعة سر حقاً؛ وأن بمقدورها أن تنتشلني. بقوة سحرها. إلى أي موقع آخر يخلو من موجبات الخطر. مقدمات الهلاك. نُذُر الحرب.......؟
أترك "باسيت" تنظر في عيني بقوة؛ ومن أعماق عينيها الخضراوين القاسيتين.....! لكني. للآسف. ألمح الشر واضحاً هناك؛ لا يمكنها أن تداريه.....! هى حاقدة. ولا شك. على أهل هذا الزمان الذين حولوها من إلهة تقدم لها القرابين وفروض الطاعة؛ إلى مجرد حيوان وضيع يُلقى إليه بفتات موائد الأسياد.....! لذا؛ أكاد أسمعها وهى تقول من بين أسنانها "كرررررررر؛ إسمع أيها الضابط المحروسي المغرور؛ صغير الرُّتبة؛ وحيد أمه وأبيه... أنا أكرهك؛ وسيأتي يوم أقتص فيه منك؛ وأعود لمجدي المفقود.. وساعتها ستعرف معنى الأخذ بالثأر.....!".
بعد قليل؛ يقبل قط غريب ينفض. هو الآخر. عن جسده التراب. يتسحب القط.. ولابد أنه من أحفاد أحفاد "باسيت".....!
القط رمادي؛ باهت؛ مستطيل؛ ممطوط. كأنه فردة شراب حشاها ولدي بالقطن.....!
يقترب القط. شيئاً فشيئاً. من "باسيت"؛ تصير رأسه لصق ذيلها؛ تنتبه على أنفاسه الحارة؛ تستدير نحوه؛ تلطشه قلماًً يهد نمراً.....!
أقهقه وأنا أضع يدي على خدي؛ متذكراً فاتنة قريتي المغادرة للأبد. وقتها؛ نظرت في عينيها؛ وهى تعبر مزلقان القطار في طريقها للمدرسة.. وكانت تضُم حقيبتها إلى صدرها؛ تخفي صدرها....! أذكر أني قلت لها "ياااااه؛ كل هذا....." ولكنها أخرجت لي لسانها.....!
كان لقائي الثاني بها عندما زارتنا بصحبة أختي "فاطمه".
كأن أختي "فاطمه" أحست؛ فخرجت تعمل شاياً.....! طيبة "فاطمه".
كنت أصهل كمُهر جموح زلزلت الأرض من تحتي زلزالها.....! فأروح أدك الأرض وهى تهتز بي؛ فيضطرم عدوي؛ وتشهق روحي.. وقد اجتمع عليها نصل السكين؛ والرجفة الحيية تنهل من كوثر الجنة؛ وهى تشتعل محرقة بالنار.....! حدث ذلك برغم حبي الجارف لـ"نحمدو" ولكني كنت مراهق؛ و لا يزال ""جني المصوَّر"" متمكن مني.....!
بسرعة أسال لؤلؤتي: أنت في أي مدرسة.......؟
تفنجل من عينيها أكثر؛ وقد تضرج وجهها بحُمرة قانية حتى الأذنين: أنا زميلة "فاطمه" في نفس المدرسة؛ ألا تعرفني وجارتكُم في أخر القرية.......؟
صوت الفتاة له مذاق عصير العنب وشفتاها بلون رمان "منفلوط"....!.
أبتلع ريقي. أسحب شهيقاً عميقاً؛ً ومن جديد: أتوجد أي مادة ضعيفه فيها.......؟ وبغتة ينهرني "جني المصوَّر": أنت سخيف؛ أهذا سؤال تسالهُ لها.......؟ ليكُن حديثك معها عن قطعان السُّحُب التي ترعي في حقول السماء؛ أو عن الغزلان التي تركض في الصحراء تبحث عن منبع عين الشمس؛ أو عن نضارة العشب؛ أو نعومة أوراق الورد؛ أو كبرياء الأشجار؛ أو عن أي شئ آخر في الكون له بهجة هذا البهاء وروعة هاتين العينين.....! وأجدها تهتم بسؤالي؛ ويهتز شعرها وتبتسم: الفرنساوي.
بشيطنة: هذا بالذات لعبتي؛ ومستعد لمنحك درس بلا أجر.....!
يااااااه؛ لم أسمع أبداً واحدة تنطق حرف الـ"سين" بهذه الحلاوة وتلك الطلاوة؛ خاصة إذا كان يتوسط كلمة "مِرّسِي".....!
تدخل أختي "فاطمه" بأكواب الشاي؛ تضعها على طاولة خشبية جانبية بـ"المندرة البحرية" مكان جلوسنا.
تبدأ الجميلة التقليب في كراسة كبيرة؛ تتشاغل عنا؛ تبادلنا الإبتسام؛ تحول عينيها عني؛ يتخضب وجهها. من جديد. بالحُمرة القانية.....! تغادر أختي. أتسحب. أخطفها في قبلة تنتفض لها.....! تلطشني قلماً يهد نمراً....! ثم تغادرنا إلى الأبد؛ وهى تحمر وتصفر وترتجف انفعالاً وخوفاً؛ وينهض صدرها كأن أفعى لدغتها.....!
ينطلق القط بغير نظام ولا وقار.....! مثلما يحدث. أحياناً. في لحظة عفة زائدة عند أنثى. شرسة. في أتوبيس محروسي مزدحم.....!
تبتعد "باسيت" في حالة تأفف.....! قرفانة من مجتمعنا. المحروسي. الذي لا يتيح للأنثى. العفيفة؛ الشريفة. الأمن الكافي على شرفها.....! فجأة؛ تختفي "باسيت".....! فأبتسم هازئاً.....! ولا أتوقف عن المراقبة والتأمل.....! ديدني "إن كان العمل ضروري لصنع العالم؛ فإن المراقبة ضرورية لإدراكه وفهم مغزاه.. والإضافة إليه.....!".
****
قصة قصيرة
عزت عبد العزيز حجازي
من روايتي (عودة الموتى) الفائزة في مسابقة (محمد الحمراني) الدولية التي ينظمها اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين في ميسان عن عام 2013 في دورتها الثانية.

إرسال تعليق

 
Top