قراءة في قصيدة لشاعر مجهول يرثي طليطلة
..كــذا فـلـيـجـلَّ الـخـطـبُ و لـيـفـدحِ الأمـرُ فليسَ لعين لم يفضْ ماؤها عُـذرُ
.. تـــوفـــيــتِ الآمــــالُ بـــعـــدَ طـــلـيـطـــلـة وأصبحَ في قرب من السفر السفرُ .
.. حقا .. قد كان سقوط طليطلة فجيعة كبرى ، ومصيبة عظمى زلزلت كيان المجتمع الأندلسي ، الناس سكارى وما هم بسكارى ولكنه النذير المؤذن بقرب الرحيل .. هذا ما عبر عنه ( ابن الغسال ) تعبيراً مثقلاً بالتشاؤم منبئاً بغروب الشمس حين قال :
- يا أهل أندلس شدوا رحالكم *** فما المقــام بها إلا من الغلط
- الثوب ينسل من أطرافه وأرى ***ثوب الجزيرة منسلاً من الوسط
فلله كيف اختار واسطة العقد ؟!
... و لقد أورد (المقري التلمساني )في نفح الطيب قصيدة لشاعر مجهول في رثاء طليطلة تربو على السبعين بيتناً ، تلك القصيدة التي اختلف حولها مؤرخو الأدب ومتذوقوه بين من يعدّها من عيون الشعر ومن يرى غير ذلك ، ولكلٍّ قراءته ، ولكلٍّ وجهة هو مولّيها ..
.. إذا ما تحدثنا عن العاطفة ، وصدق انفعالها فليسا موضع شك ، فالشاعر من عاش قسوة الحدث ، وغشيت يده ناره ، لكن ذلك ليس كافياً ليصنع شعراً رائعاً ، فقد يحزن غيره أضعاف حزنه ولا يبدع شعراً ، ليس السؤال المطروح لدى قراءتنا لهذه القصيدة هو كم كان مقدار حزنه أو درجة حرارة انفعاله عندما قال أبياته ؟ إن السؤال هو : كيف تحمل القصيدة قارئها على الشعور بفداحة الكارثة ؟ كيف استطاعت اللغة الشعرية في القصيدة أن تحوّل سقوط طليطلة من تجربة ذاتية عاشها الشاعر إلى تجربة إنسانية تتخطى الشاعر وعصره لتكون إرثاً خالداً نقرؤه و نتداوله ، فنبكي اليوم كما بكى ، ويقرؤها من يأتي بعدنا فتبكيه كما أبكته ، وأبكتنا ..
.. يبدأ الشاعر أبياته ببكاء طليطلة فيقول :
- لثُكلكِ كيف تبتسم الثغـورُ *** سرورًا بعدما سُبيت ثغـورُ
-أما وأبي مصـابٌ هُدّ منـهُ *** ثَبِـيرُ الدين فاتصل الثبـورُ
- لقد قُصمت ظهورٌ حين قالوا ***أميـر الكافرين له ظهـورُ
-ترى في الدهر مسرورا بعيشٍ ***مضى عنا لطيتهِ السـرورُ.
إلى أن قال :
- محصنـة محسنـة بعيـدٌ *** تناولها ومطلبها عسير
... إن الأسى يكاد يقضي على الشاعر لولا تأسيه ، وكأني أراه بعين خيالي يردد قول القائل :
...وتجلدي للشامتين أريهم ***أني لريب الدهر لا أتضعضع
.. فطليطلة وطن ، والوطن حضن دافئ ، فهي أمٌّ عطوف ، موتها فاجعة كبرى ، ومصيبة عظمى ، فما أجمل التشخيص وما أروع التجسيم ، لقد سقطت طليطلة وهو يبتسم ، لا يبتسم مسروراً ، إنما يبتسم مكلوما ً ، فهو كطائر يرقص مذبوحاً من الألم !
لقد سقط ثغر فكيف يبتسم الثغر ؟ ما أجمل الجناس الذي يحمل في طياته آهات وآهات ... ! ثم انظر إلى قوله : ( ثَبِـيرُ الدين ) أي : هلاكه ، والدين باق لا يهلك ، وإنما يهلك أهله ، فهو من باب ( واسأل القرية ) أي : أهل القرية , وإلا فالدين كائن حي يتنفس ويجري عليه ما يجري على الأحياء .. .. لقد ارتفعت – ويا للأسف – راية الكفر بعد أن كانت راية الإسلام عالية خفاقة فهذا المشهد قصم ظهورنا بعد ظهور راية الكفر .. ما أروع المحسنات عندما تأتي طواعية لخدمة المعنى ، وتعميق الأسى .
- ( ترى في الدهر مسرورا بعيشٍ ) استفهام حذفت همزته لاستقامة الوزن ، وغرضه النفي ، فلا أحد مسرور ولا أحد هانيء .
- فالهمّ يخترم الجسيم نحافة *** ويشيب ناصية الصبي ويهرم .
.. ويستمر الشاعر على حالة الذهول غير مستوعب ما يحدث فينظر حوله ويقول :
( أليس بنا أبي ّ النفس شهم ؟) أيأتيه الجواب بـ ( بلى ) فتنفرج أساريره ، أم سيأتيه بـ ( نعم ) فيعمق جراحه ؟
وسرعان ما جاءه الجواب بالنفي ( فقد خضعت رقاب كنّ غلبا ) استسلام وذل ، ماتت النخوة والمروءة ... فبات القوم أذلة بعد أن كانوا أعزة .. هانت عليهم أنفسهم فكانت على الغير أهون .. !
.. ثم يمضي الشاعر مستنكراً سقوط المدينة الحصينة ، مُنعَطِفا على المشاعر الدنيّة ، مُظهراً ما أصاب طليطلة من تحول ديني فيقول :
- ألم تك معقلا للدين صعـبا *** فذلّله كما شاء القديـــرُ
- وأخرج أهلها منها جميعـا *** فصاروا حيث شاء بهم مصيرُ
- وكانت دار إيمانٍ وعلـمٍ *** معالمهـا التي طُمست تنــيرُ
- فعـادت دار كفر مصطفاة *** قد اضطربت بأهليها الأمورُ
- مساجدها كنائس، أي قلبٍ *** على هـذا يقرُّ ولا يطـيرُ .
... لعمري إن الأبيات لتقطر أسى على ما حلّ بطليطلة ، وما اعتراها من تحوّل ديني ، فبعد أن كانت سالمة مسلمة ، آمنة مطمئنة , يأتيها رزقها من بين ظهرانيها , فكفرت بأنعم الله , فأذاقها الله لباس الجوع والخوف .. ألم تكن معقلاً للدين؟ !
انظر إلى ذلك الاستفهام التقريري المشوب بالتقريع والتوبيخ لتصرفات أهلها ، ثم انظر إلى قوله: ( وأُخرج أهلها ) بالبناء لما لم يسم فاعله ! وكأن بالشاعر غصّة ومرارة , كما عفّ لسانه عن ذكر المخرجين لكفرهم وبعضهم ، ثم قوله ( جميعاً ) ليؤكد على أنه لم يبق بطليطلة من الموحدين أحد ، ثم يبلغ اليأس به مبلغه حين يقول ( مساجد ها كنائس ) أيُّ خزي وأيُّ عارٍ لحق بنا هنالك ؟ أيُّ قلب يقرُّ في مكانه ولا يطير حزنا وألماً وحسرة بعد رؤية ما رأى ؟
... وها هو الشاعر يؤوب إلى رشده ، ويعود إلى صوابه ، مستجيباً لنداء العقل فيتحدث عن أسباب السقوط فيقول :
- وكان بنـا وبالقينات أولى *** لو انضمت على الكل القبورُ
إلى أن قال :
- وقيل تجمعوا لفراق شمل *** طليطلة تملكها الكفورُ
.. يعمد الشاعر إلى التقريع والتوبيخ ذاكراً أسباب السقوط ، فأسباب سقوط الأمم واحدة على الدوام ، وهي إن لم تكن متطابقة فهي متشابهة .. وإن من أسباب سقوط طيلطلة - كما يرى - فساد الحكّام .. أفلم يسر هؤلاء الحكام في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ؟ إن باطن الأرض أولى بهم من ظاهرها لما اقترفته أيديهم من ذنوب وآثام في حق أنفسهم ومواطنيهم .. نسوا الله فأنساهم أنفسهم !!!.
- ومن ملك البلاد بغير حرب *** يهون عليه تسليم البلاد
... إن أكْلَ الحرام ، وانتشار الظلم والجَوْر مؤذن بخراب المدن والأمصار .. وإن الله لينصر الأمة العادلة ولو كانت كافرة ، ويهلك الأمة الظالمة ولو كانت مؤمنة ، وهذا ما عبر عنه الشاعر بقوله :
- وأكل للحرام ولا اضطرارٌ *** إليه فيسهلُ الأمـر العسيرُ
- فإن قلنا العقـوبة أدركتهم *** وجـاءهـمٌ من الله النكيرُ
- فإنـا مثـلهم وأشد منهـم*** نجورٌ وكيف يسلم من يجورُ .
.... نعم فكيف يسلم من يجور .. اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات، وإن دعوة المظلوم لينصرنّها الله ولو بعد حين.
... ولا شك أن ذيوع الفاحشة بين الناس ، وتعفن المجتمع بالانحلال والإقبال على الشهوات ، واقتراف الذنوب والآثام يقود – ولا ريب – إلى الانهيار بل والاندثار ، فما شاعت الفاحشة في قوم إلا ظهر فيهم من الأمراض ما لم يكن في أسلافهم ، وهذا ما حل بهم وهو ما عبر عنه بقوله :
- أنأمن أن يحـل بنـا انتقـامٌ *** وفينا الفسق أجمعُ والفجـورٌ
- نخور إذا دهينا بالرزايا *** وليس بمعجب بقرُ يخورُ
... ولم يتوقف الأمر عند هذا الحدّ من التردي والانحطاط الأخلاقي بل تخطاه إلى ضعف الحكّام وجبنهم واستهانتهم بأخطار العدو ، إما كبراً و غروراً ، وإمّا غفلة وغباء ، وكأنهم لم يعتبروا بمن كان قبلهم ... ولم يعوا قول الحق - جلّ وعلا - " وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ " الأنفال: ٦٠ " فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ " الحج: ٤٦ .
- إني لأفتح عيني حين أفتحها ***على كثير ولكن لا أرى أحدا ً
... إنّ ما حلّ بطليطلة هو ما عبّر عنه الشاعر بقوله :
- أتتنا الكتب فيها كل شرٍ *** وبشرنا بأنحسنا البشيرُ
- وقيل تجمعوا لفراق شمل *** طليطلة تملكها الكفورُ
... لقد خرجوا منها مذؤمين مدحورين لكبرهم وغبائهم .. إن ما حدث بالأمس ويحدث اليوم - ونخشى أن يحدث غداً - ليؤكد أننا لا نستوعب دروس التاريخ .. حقاً إن أسباب سقوط الأمم واحدة ، وهي إن لم تكن متطابقة فهي متشابهة .. فمتى نعتبر ونستوعب التاريخ ؟
- إذا ما الدهر جرّ على أناس *** كلاكله أناخ بآخرينا
... وقعت طليطلة في الأسر ، ووقع الناس في حيرة .. أنترك حياة الرغد والرفاهية مع تحمل الذل والرق و ذهاب الدين ، أم نرحل ونتحمل الفقر والفاقة وشظف العيش ؟ لا شك أنها حيرة .. إنهما خياران أحلاهما مُرّ. وهذا ما عبّر عنه بقوله :
- أنترك دورنا ونفرّ عنها *** وليس لنا وراء البحر دورُ
فاختاروا البقاء تحت ذل الرقّ وذهاب الدين من أجل حياة ناعمة ، وهو ما عبر عنه بقوله :
- وظل وارفٌ وخرير ماء *** فلا قرٌ هنـاك ولا حرورُ
-ويؤكل من فواكهها الطريٌ *** ويشرب من جداولها نميرُ
.... ولعمري لو تغلغلت معاني الإسلام في نفوسهم لاختاروا الرحيل مهما كانت قسوته .
- فعش عزيزاً أو مت وأنت كريم *** بين طعن القنا وخفق البنود
... وهل تروق الحياة لحرّ وهو ذليل ؟ وكيف يرضى المسلم الدنيّة في دينه ؟
-فمن رضي الحياة بغير دين *** فقد جعل الفناء لها قرينا
... ثم تأتي خاتمة القصيدة والتي تحمل معها الأمل ، الأمل في استعادة المجد ، فترى الشاعر يستنهض الهمم ، ويبحث عن قائد شجاع ، يقود معركة الاسترداد ، فإما حياة كرامة ، وإما موت عزّة ، فما أجمل أن يتعلق الإنسان بالأمل ، والأجمل منه أن يبحث عن الأمل في ركام اليأس .. فبالأمل يحيا الإنسان .. وكأن خاتمة القصيدة تمثل للقارئ ( لحظة التنوير ) فتجدد له الأمل في استعادة الأندلس ..
- أعلّل النفس بالآمال أرقبها *** ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
وما تدري ما يخبئ الزمن ، فلعل الغد حاملٌ للبشرى ، فالأمة الإسلامية تمرض ويطول مرضها ولكن لا تموت ، وإن غداً لناظره قريب.
- فما بين طرفة عين وانتباهتها *** يغيّر الله من حال إلى حال
........................... " فاعتبروا يا أولي الأبصار "
.... بقلم / سعد بن محمد داود

إرسال تعليق