GuidePedia

0

من محطة المغيب

........................................................

منذُ طفولتنا والأمهاتُ تعدنا بعودة آباءنا ذات يوم ..

ولم يأتِ الـــ ذاتَ يوم .

"

"

سهواً من الحرب ..قتلانا هنا نزلوا

فأَيقظوا ذكرياتِ الماءِ .. واغتسلوا

تَسلقوا الأفقَ فانسابتْ أصابعُهم

وأَوقَدوا الليلَ بالأقمارِ .. واحتفلوا

ما باغتوه لأن الموتَ أُغنيةٌ

تَناوَلُوها لذا أَودى بها الغزلُ

يا قشة ً قصمت ظهرَ الغروبِ فمن

أي السماوات يا مولاي قد هطلوا ..؟

............................................

مَرُّوا شوارعَنا الخرقاء فابتسمت ْ

تلكَ البيوتُ وأَرخى حزنَه الطَلَلُ

و أقحموا ضوءَهم أنحاء قريتنا

و أَودَعُوه فتيلَ الحبِ .. واشتعلوا

وعلموا الشمعَ أنْ يُبدي تَواضعه

للعاشقين .. فيحنو كلّما أَفلوا

ثم استردوا مَواعيداً مُؤَجلةً

اسّاقطتْ حَشفا من حَولها القُبلُ

فمن رميم حكايات تبادلها

فمُ النهاياتِ واسْتشرى بها المللُ

جاؤوا من الغيبِ أحلاماً يُؤرشفها

حبرٌ نديٌ بخيطِ الفجرِ يتصلُ

.............................................

إلى الأراجيح عادُوا والصباحُ هُنا

طفلُ انتظارٍ على شباكهِ خَجِلُ

خلفَ الزجاج يعاني نجمةً أفلتْ

يغفو وتبقى على شباكهِ المُقلُ

لاشيءَ يَعصمُهُ من ذكريات أبٍ

وألفِ أُمٍ تَزمُ الاهَ .. تَبتَهِلُ

لا طعمَ للتين , للزيتون , يابسةٌ

كلُ العناقيدِ مُذ آباؤنا رحلوا

.....................................

أحتاجُ وجهي .. فذكراهم تشاطرني

وجهاً تشظى على أصقاعهِ الوَجلُ

الأمُ .. نهرٌ بلا جرفٍ يُغازِلُهُ

أو نخلةٌ تحتها يحدودبُ الكللُ

تدورُ مثل رحىً ، والعمرُ مكنسةٌ

للياسمين.. فما جدواك يا أمل ..؟

ما زلتُ أجمعُ آبائي و أنثرُهم

فينتقيهمْ على أذواقهِ الأجلُ

..................................

لكنهم باغَتوا البارودَ وابتسمُوا

لكلِ منْ يَغرُسَ ال مرحى لمن وصلوا

تَقاسموا كُوّةَ التأريخ و انفرطوا

كَحُلمِ أُنثى بحضنِ الليلِ ينشتلُ

ما أورقَ الفجرُ إلا من غياهِبِهمْ

وما استعادوهُ ... إلا عندما ذَبَلُوا

لأنهم تَركوا خَلفَ المغيبِ أسىً

بِهِ عُيونكِ يا أمي ستكتحلُ

فداهمُوه .. وخَمرُ الوقتِ يَعصُرُهمْ

و أرشدوهُ صَباحاتٍ سَتنسَدلُ

وما تبقى أخيراً غير أُغنيةٍ

تمَدُ أذرعَها نحوي وتَنتَشِلُ

وما انتهينا سوى من فرط ما بدأوا ..

وما ابتسمنا سوى جراء ما فعلوا ..

.......................................

مؤيد نجرس

.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الشاعر مؤيد نجرس , شخصية أدبية شبابية شقت طريقها ببراعةوقد أثبت هذا الشاعر وجوده من خلال نصه , فما قدمه للشعر يرتقي الى مستوى الأعجاب والتقدير , وفي هذا النص سنتعرف على أدوات الشاعر مؤيد نجرس , ما هي ؟ , وطبيعتها الشعرية .

في بداية هذا النص أتناول العتبة الاولى فيه وهي "العنوان" (( من محطة المغيب

)) حيث يحمل العنوان رؤيا ثانوية في النص ويمكن اعتبار العنوان بنية عامة قابلة للتحليل والفهم والتفسير والتقويم أيضا من خلال عناصر النص الأساسية التي تتمثل في مشاهده ومتتالياته ووحداته الوظيفية ومراحل تكوين بنيته العامة التي تتمثل كذلك في بنياته الأساسية وخطاباته ومنظوره الأدبي الذي يبدو في /الشخوص /والأحداث/ والفضاء النصي / والناص/ والمنظور الرسالي= النص _ الناص _ المتلقي / وأيضا هنالك ثلاثة عوامل مهمة في تركيبة العنونة / البنية +الدلالة + الوظيفة / ويرتبط ذلك بالقراءة السياقية الداخلية والخارجية / قال اللحياني:

وتعرف في عنوانها بعض لحنها

وفي جوفها صمعاء تحكي الدواهيا

...............................................

قال سوار بن المضرِّب:

وحاجةٍ دون أخرى قد سنَحت بها

جعلتها للتي أخفيت عنوانا

........................................

لقد أخذ العنوان يتمرد على إهماله فترات طويلة وينهض ثانية من رماده الذي حجبه عن فاعليته وأقصاه إلى ليل من النسيان, ولم يلتفت إلى وظيفة العنوان إلا مؤخرا , إذ شهدت الدراسات والأبحاث السردية اهتماما كبيـرا (بالعتبات) كما عند "جيرار جنيت "أو هوامش النص عند " هنري ميتـران "، أو (العنوان) بصفة عامة عند " شارل كريفل"، أو ما يسمى اختصاراً بالنص الموازي , وقد جاء في لسان العرب:" وعننت الكتاب وأعننته لكذا أي عرضته له وصرفته إليه, وعنّ الكتابَ يَعُنُّه عنّا وعنّنته كعنونه, وعنونته وعلونته بمعنى واحد , مشتق من المعنى , وقال اللحياني: عننت الكتاب تعنينا وعنّيته تَعْنِيَةً إذا عنونته, أبدلوا من إحدى النونات ياء /, وسمي عنوانا لأنه يَعُنُّ الكتاب من ناحيتيه, وأصله عًنّان, فلما كثرت النونات قلبت إحداها واوا, ومن قال عُلوان الكتاب جعل النون لاما لأنه أخف واظهر من النون, ويقـال للرجل الذي يعرّض ولا يصرح / قد جعل كذا وكذا عنوانا لحاجته .

((من محطة المغيب )) عنوان النص يعطينا معنى "ماوراءي" حيث انه ذا " أيدولوجيه " زمكانية تتداخل فيها عدة معان مركبة نلاحظ / محطة / وهي تعني حلقة وصل بين مكان وأخر فتأتي هنا /من / زمكانية غير محددة الأتجاه أو المكان / ثم نجد / المغيب / كلمة فلسفية المعنى , لأنها متشظية تعني كل الأتجاهات / الحاضر / الغائب / القريب / البعيد / فنقرأ العنوان : من هناك حيث تختفي وتظهر الأشياء حيث طابع الحزن يتغلب على معنى المغيب لأنه يعكس معان مثل الفراق والغياب .

..........................................................................................

العتبة الثانية / الثيمة الأولى للنص :

.

منذُ طفولتنا والأمهاتُ تعدنا بعودة آباءنا ذات يوم ..

ولم يأتِ الـــ ذاتَ يوم .

.

هنا في هذه المقطوعة السردية القصصية الشعرية , نلاحظ ترادف في المعنى / بعودة آباءنا ذات يوم + لم يأت الـ ذات يوم / أعتاد الشاعر مؤيد نجرس في أغلب نصوصه الشعرية أن يدقق ويركز على الضربة الشعرية + عنصر الدهشة / حيث نجد دائما ً مخياله يسبح في فضاء / العتب / الأحتجاج / التمرد / السؤال / السخرية / الحزن / التذمر / الرفض / وقد أعتاد على محاكاة الواقع بلغته الفارهة السلسة , بعيداً عن الرمزية المكثفة / بعيداً عن الغموض / أعتمد في نوصوصه على الفصاحة والأيجاز والتكثيف .

العتبة الثانية / الثيمة الثانية

النص :

تفعيلة _ البسيط / مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن

.......................................................

.

سهواً من الحرب ..قتلانا هنا نزلوا

فأَيقظوا ذكرياتِ الماءِ .. واغتسلوا

تَسلقوا الأفقَ فانسابتْ أصابعُهم

وأَوقَدوا الليلَ بالأقمارِ .. واحتفلوا

ما باغتوه لأن الموتَ أُغنيةٌ

تَناوَلُوها لذا أَودى بها الغزلُ

يا قشة ً قصمت ظهرَ الغروبِ فمن

أي السماوات يا مولاي قد هطلوا ..

.

نلاحظ تغير عدد التفعيلات من بيت إلى بيت في النص .

فما يميز هذا النص هو روح اللغة وموسيقاها الجميلة حيث تنساب المفردة بروح السلاسة والعذوبة كأنها تدفق ينبوعي , نلاحظ المستهل الثاني للنص ((سهواً من الحرب ..قتلانا هنا نزلوا)) أعتباره العتبة الثانية / كون النص بدأ بمقدمة أولية ثانوية للنص فكانت ثيمة استدلالية , فالشعر الحر هو اتجاه جديد في الشعر العربي جاء كاختيار ثالث بين الشعر العمودي والشعر غير الموزون أي ما يسمى بقصيدة النثر التي لاتخضع لأي وزن شعري أما شعر التفعيلة فإنه يخضع في الواقع لقيود الشعر ويسير الشعراء في نظم أبياته على بحور الشعر ولكن ليس بنفس الطريقة المألوفة , ففيه يكتفي الشعراء باستعمال تفعيلة واحدة غالبا والبعض يستعمل أكثر من تفعيلة ...وهذا معناه الإكتفاء بالبحور البسيطة أو الصافية وهي البحور التي ينتج وزنها عن تكرار تفعيلة واحدة وهذه البحور هي :

الوافر- الكامل - الهزج- الرجز- الرمل- المتقارب - المتدارك.

هو ليس كالقصيدة العمودية .. فهو يعتمد على التفعيلة كوحدة أساسية وأيضا على نظام الشطر الواحد سواء كان طويلا أو قصيرا .. وقد تأتي كامل القصيدة بتفعيلة واحدة من بدايتها الى نهايتها أو قد تكون من عدة تفعيلات .. وأحيانا تكون قصيدة التفعيلة مزيج من تفعيلات عدة بحور متداخله مع مراعات سهولة الانتقال من بحر لآخر .. وتسمى القصيدة في ظل التفعيلة الواحدة بـ ( الصافي ) وما كان منها مختلطا يسمى ( الممتزج ) أما القافية فلا يصح أن نطلقها على الحروف التي تنتهي بها قصيدة التفعيلة أواخر بعض سطورها و (كاجتهاد شخصي) لا يصح تسمية ما يرد فيها بالقافية والأصح أن نسميه سجعا وليس قافية .. وعلى هذا لا أظن بأن قانون القوافي في علم العروض يحكم نص التفعيلة .. ولكن كلما التزم السجع بقانون القوافي كلما كان النص أجمل وألذ .

لا اريد أن أتحدث عن النص كمفسر له من حيث المعنى أو تأويله , فليس النص بذلك التعقيد والغموض , لكني أحتوي أبعاده وأسعى لفتح مغاليقه وأكتشاف مخابئه , وهنا الشاعر يغوص في أعماق الأسئلة المعقدة ويبحث عن أجوبتها المغيبة , فما هي هذه الأسئلة المعقدة ؟!!

((سهواً من الحرب ..قتلانا هنا نزلوا)) يتحدث عن هذه الأجداث المتورطة بأجساد الضحايا في باطنها المستضعفة التي ذهبت الى منيتها , فالرجوع موت والبقاء موت , ((ما باغتوه لأن الموتَ أُغنيةٌ ..تَناوَلُوها لذا أَودى بها الغزلُ)) ان هذه الرمزية الجميلة التي تعكس واقع هؤلاء القتلى المغلوبين على أمرهم , في هذا النص يتسائل الشاعر عن جدوى هذا الموت عن جدوى الأبتلاء ثم يختم تساؤله ((أي السماوات يا مولاي قد هطلوا ..)) ماذا يهيج هذه السموات لتنزع ارواحهم سُقطاً في هذه الأجداث.

.

مَرُّوا شوارعَنا الخرقاء فابتسمت ْ

تلكَ البيوتُ وأَرخى حزنَه الطَلَلُ

و أقحموا ضوءَهم أنحاء قريتنا

و أَودَعُوه فتيلَ الحبِ .. واشتعلوا

وعلموا الشمعَ أنْ يُبدي تَواضعه

للعاشقين .. فيحنو كلّما أَفلوا

ثم استردوا مَواعيداً مُؤَجلةً

اسّاقطتْ حَشفا من حَولها القُبلُ

فمن رميم حكايات تبادلها

فمُ النهاياتِ واسْتشرى بها المللُ

جاؤوا من الغيبِ أحلاماً يُؤرشفها

حبرٌ نديٌ بخيطِ الفجرِ يتصلُ

.

نجد هذه اللغة جزلة حيث انتقى الشاعر ألفاظه بعناية لتعبّر عن العاطفة التي تختلج في صدره بوضوح وحتى يتسنى للمتلقي الوصول إلى المغزى الذي يريده الشاعر , فالكلمات إيحائية توحي بالحزن الشفيف , فكأن الشاعر هنا يتقمص هذه الأرواح وينظر من خلالها , وبنفس الوقت يرد على تلك النظرة المؤودة المتشبعة بالغربة والحزن , ((و أقحموا ضوءَهم أنحاء قريتنا)) ها هو يتسلل كالضوء في مساماتهم ويعيش ارتعاشات جلودهم المتبتلة بالأسى , ((جاؤوا من الغيبِ أحلاماً يُؤرشفها ..حبرٌ نديٌ بخيطِ الفجرِ يتصلُ ))

لما كانت العاطفة المسيطرة على الشاعر في هذا النص هي عاطفة الحزن فمما لا شك فيه أن يستخدم الشاعر ألفاظا توحي بما يعتمل في داخله من الشعور بالحزن فاستخدم ألفاظاً توحي بالحزن العميق المغلف بالغزل , لقد التمس الشاعر بوسائل فنية متعددة لينسجم النص باعتباره تركيباً لغوياً مع مضمون القصيدة الحزين . والقصيدة الناجحة هي معادل موضوعي لنفسية الشاعر المتمثلة في لحظة زمنية القصيدة فهنا ((مَرُّوا شوارعَنا الخرقاء)) يعني الزمن وهنا تصبح العقدة واضحة الملامح والمضمون والشاعر اسقط ما في نفسه على الكون بمعناه الداخلي والخارجي فالزمن عنده يمر ولكن الى أين ؟ الى ذلك المدعو المبهم بالمجهول لا احد يستطيع او يدري لعله زمن حائر لا يدري اين يمضي هل الزمن هو الانسان أم الانسان هو الزمن ام كلاهما معاً ,

يدهشني جداً هذا الشاعر الوقور الذي لم اتذكر منه غير جبهته العريضة وانصاته للاخرين عندما يتحدثون واذا تحدث اندفعت الكلمات سلسلة غاية في الرقة والاتساق والروعة .. لم يكن يبتسم الا قليلا ومن كان يراه يظنه يحمل فوق كاهله هموم كل البشر .

.

إلى الأراجيح عادُوا والصباحُ هُنا

طفلُ انتظارٍ على شباكهِ خَجِلُ

خلفَ الزجاج يعاني نجمةً أفلتْ

يغفو وتبقى على شباكهِ المُقلُ

لاشيءَ يَعصمُهُ من ذكريات أبٍ

وألفِ أُمٍ تَزمُ الاهَ .. تَبتَهِلُ

لا طعمَ للتين , للزيتون , يابسةٌ

كلُ العناقيدِ مُذ آباؤنا رحلوا

.

طبيعة النص في هذه القصيدة أنها كلٌ متكاملٌ وليست مجرد سطور أو مقاطع متجاورة بالصدفة وهي كالكائن الحي تحسَّ به كيف يولد وكيف ينمو وكيف يموت وأرى ايضاً ان السطر ليس وحدة للقصيدة، فالمعنى يتسلسل من بيت الى آخر سالكاً عدداً من السطور وهو ما يسمى بالتضمين عند العرب قديماً , هذا بالنسبة للأبيات , يقول (السياب) مشدداً على اهمية الوحدة العضوية ((فأية وحدة في القصيدة ,وحدة نضحي من أجلها بالوزن التقليدي والقافية التقليدية وجزالة الأسلوب لولا هذه الواوات التي لا تكاد تقوى على شد هذه الحزمة العجيبة من الصور الفوتوغرافية لولاها لانفرط كل بيت وتدحرج يبحث له عن مكان انها ظاهرة نراها في شعر (البياتي) وشعر مقلديه تجعلنا نتحسر على القصيدة العربية بمفهومها التقليدي)) وهذه أشارة للنص السابق أعلاه , بينما ترى وترى (نازك الملائكة ) ان وحدة القصيدة ضرورة في القصيدة, ويجب ان يكون لوحدة القصيدة هيكل, وظيفته هي منعها من الانتشار والانفلات ولمّها داخل حاشية متميزة وانه لابد لكل هيكل من توافر اربع صفات وهي: التماسك والصلابة والكفاءة والتعادل , واللغة هي العنصر الاساس الذي يعمل على كفاءة هذا الهيكل .

.

أحتاجُ وجهي .. فذكراهم تشاطرني

وجهاً تشظى على أصقاعهِ الوَجلُ

الأمُ .. نهرٌ بلا جرفٍ يُغازِلُهُ

أو نخلةٌ تحتها يحدودبُ الكللُ

تدورُ مثل رحىً ، والعمرُ مكنسةٌ

للياسمين.. فما جدواك يا أمل ..؟

ما زلتُ أجمعُ آبائي و أنثرُهم

فينتقيهمْ على أذواقهِ الأجلُ

.

انتهج الشاعر مؤيد نجرس في لغته نهجاً خاصاً اذ اعتمد في حداثته اللغوية على اللغة الواقعية التي تقوم على استخدام كثير من الأجواء والتعابير التشبيه والتجسيد والتبسيط في استخدام الاساليب اللغوية الى حد النسيج العادي البسيط وقد حقق الشاعر تلك الواقعية اللغوية في شعره فلغته تبدو لنا في كثير من معطياتها لغة ذات منحى بنائي نثري بعيدة عن لغة القواميس الضخمة ولكنها مشحونة بدلالات معنوية رامزة وبالوقت نفسه بعيدة عن أي نمط معقد وتستمد قوتها من حركتها ومن الدلالات التي تنطوي عليها ولعل نهجه هذا في لغته يعود الى رغبته في الاقتراب من لغة الحياة اليومية عن طريق الانهماك بهمومها محاولاً من خلال ذلك ان يبث اتجاهاً في الشعر لنا ان ندعوه (الَتَماَس) الذي يريد من خلاله توجيه المتلقي الى المعنى المراد توصيله اليه .

.

لكنهم باغَتوا البارودَ وابتسمُوا

لكلِ منْ يَغرُسَ ال مرحى لمن وصلوا

تَقاسموا كُوّةَ التأريخ و انفرطوا

كَحُلمِ أُنثى بحضنِ الليلِ ينشتلُ

ما أورقَ الفجرُ إلا من غياهِبِهمْ

وما استعادوهُ ... إلا عندما ذَبَلُوا

لأنهم تَركوا خَلفَ المغيبِ أسىً

بِهِ عُيونكِ يا أمي ستكتحلُ

فداهمُوه .. وخَمرُ الوقتِ يَعصُرُهمْ

و أرشدوهُ صَباحاتٍ سَتنسَدلُ

وما تبقى أخيراً غير أُغنيةٍ

تمَدُ أذرعَها نحوي وتَنتَشِلُ

وما انتهينا سوى من فرط ما بدأوا ..

وما ابتسمنا سوى جراء ما فعلوا ..

.

عندما وصلت لهذا النص , لم اتمالك نفسي من اخرج هذه الشحنة المتخمة بالعاطفة التي جعلت مقلتيِّ غارقة بالدموع , رغم أني لا أحبذ النقد الأنطباعي التأثري , الا أني بصراحة تأثرت هنا جداً بهذا النص ووجدتني أكابر دموعي , ((تَقاسموا كُوّةَ التأريخ و انفرطوا .. كَحُلمِ أُنثى بحضنِ الليلِ ينشتلُ )) جعل الشاعر لغته الشعرية شديدة الالتصاق بمضمونه وموقفه الداخلي من قضيته هذه , التي تعد طاقة كبيرة في التصوير ولديه القدرة على شحن اللفظ بطاقات ايحائية وتعبيرية قادرة على خلق الرمز من طينة المفردة اليومية المتداولة وايجاد الصورة الموحية باللغة اليومية , تقتضي اطاراً لغوياً خاصاً وصوراً تتمثل الحالة, مما يلحق بالبناء الوزني مضموناً موسيقياً جديداً أي ذلك الايقاع الناشئ عن تقارب الحركات والسكنات مع الحالة الشعورية لدى الشاعر ولهذا السبب فإن موسيقى الشعر الحر موسيقى جديدة لحياة جديدة وعصر موسيقي جديد , استطاع ان يذهب بالاذن الموسيقية الى حدّ أبعد مما كانت تألفه الاذن العربية القديمة من إيقاع مقتنعين بإن الايقاع القديم لم يعد قادراً وحده على أداء ذلك , ان استخدام الشاعر الحديث للقوافي المتنوعة يفسر لنا عملية تعقيد العمل الفني الأدبي الحديث, لأن قصيدة الحداثة لم تعد تشتمل على التقنيات البسيطة التي لا تتلاءم مع روح التجربة وتعقيدها وان القافية المنوعة والمعقدة هي التي تخضع لأشكال متعددة من التنوع في الاستخدام التقفوي وهذا ما يسهل للشاعر الحديث مهمة اختيار قوافيه والملاءمة بينها , نلاحظ مثلا (السياب ) في قصائده التي ينتقل فيها من بحر الى سواه قصيدته (في المغرب العربي) التي بناها على بحر الهزج ودخل في ثناياها بحر الرجز وكذلك قصيدته (فجر السلام) التي انتقل فيها من بحر البسيط الى بحر الكامل, ليكسب القصيدة تدفقية استهوته كثيراً فيما بعد, الشاعر مؤيد نجرس في هذه القصيدة يصحبنا معه في رحلة مع الواقع العراقي وما مرت عليه من حروب , فنراه يعيش حالات من هذا الواقع وخصوصاً حالة الشهداء , هؤلاء الذين سيقوا الى حتفهم رغماً عنهم , من تم تجنيده , من قُتل غيلةٍ , فنراه (الشاعر ) يتقمص دور هؤلاء وينظر بعيونهم ويتحدث بألسنتهم , ثم يحاكي الواقع وتداعياته التي ترتب عليها هذا الواقع , مؤيد نجرس شاعر ذو بصمة جميلة جداً ستبقى قصائده تشدوا اينما قُرأت بجمالها وعذوبتها حتى رغم الحزن فيها والأسى , فهي مفعمة بالحياة كأنها فيلماً تشاهده عندما تقرأها .

"
"

إرسال تعليق

 
Top