GuidePedia

0
لقد كفل الإسلام للإنسان حرية التفكير، فـحرر العقل الإنساني من الأوهام والخرافات والوقوع في أسر التقليد الأعمى، ومن حق الإنسان أن يتمتع بهذا النوع من الحرية : فقد خلقه الله من مادة "الطين" , ونفخ فيه من "روحه", وكرمه "بالعقل" الذي وعى حقيقة الأشياء اسمًا ومسمى.. والعقل هو الذي كفل له أن يكون خليفة الله في أرضه.
ولقد كرم الله الإنسان بالحواس لا لذاتها ـ ولكن بقدر ما توصل صاحبها إلى طريق الفهم والاهتداء والتقوى والصلاح، وإذا لم تستطع الحواس أن ترتفع بالحقيقة الإنسانية في نفس الإنسان، وتكون وسائل لتحصيل العلم والوصول إلى اليقين والهدى، والتحرر من ربقة الظلم، فوجودها كعدمها سواء، بل إن الإنسان في هذه الحالة يكون أحط مكانة من البهائم؛ لأن البهائم تستخدم حواسها بأقصى طاقاتها حفاظًا على بقائها، أما هو فقد عطل حواسه التي أنعم الله بها عليه لاستعمالها كصاحب رسالة كرمه الله باستخلافه عنه في الأرض، وما قيمة العقل إذا ما عطلت طاقته عن الخير؟ وما قيمة العين إذا لم تبصر طريق الهدى؟ وما قيمة الأذن إذا لم تصغ لصوت الحق واليقين؟
مفهوم شامل للعقل.. القرآن الكريم لا يذكر العقل إلا في مقام التعظيم والتنبيه إلى وجوب العمل به والرجوع إليه، ولا تأتي الإشارة إليه عارضة ولا مقتضبة في سياق الآية، بل هي تأتي في كل موضع من مواضعها مؤكدة جازمة باللفظ والدلالة، وتكرر في كل معرض من معارض الأمر والنهي التي يحث فيها المؤمن على تحكيم عقله، أو يلام فيها المنكر على إهمال عقله وقبول الحجر عليه.
بهذا المفهوم الشامل للعقل، تحريرًا له من الجمود والتوقف والتخلف عن التفاعل الحي مع ما يرى من مظاهر الكون والحياة، دعا الإسلام إلى النظر والتفكير والتأمل، ونعى على الذين لا يفكرون، ولا يتأملون خلق الله، ولا يعملون عقولهم خلوصًا إلى اليقين.
وفي عشرات من الآيات القرآنية، بل مئات منها تتكرر كلمة "العقل" وما ارتبط بها من ألفاظ "الفقه" و"العلم" و"التفكير" على النحو الآتي:
1 ـ "عقل" ومشتقاتها (عقلوه ـ تعقلون ـ تعقل .. الخ) ذكرت 48 مرة.
2 ـ "علم" ومشتقاتها (علم ـ يعلم ـ يعلمون .. الخ) ذكرت 866 مرة.
3 ـ "فقه" ومشتقاتها (تفقهون ـ تفقه ـ يفقهوا ـ يفقهوه .. الخ) ذكرت 20 مرة.
4 ـ "فكر" ومشتقاتها (فكر ـ تتفكروا ـ يتفكرون ... الخ) ذكرت 87 مرة.
5 ـ "وعي" ومشتقاتها (تعيها ـ أوعى ـ واعية ... الخ) ذكرت 4 مرات.
ومجموع هذه المواد 1043 (ثلاث وأربعون وألف) لفظة، وكلها تدور على تقدير القرآن للعقل والنظر والتفكير، وهذه المواد هي المواد المباشرة، وهناك مئات من الألفاظ تدور حول العقل والتفكير بطريقة غير مباشرة.
والإسلام يقرر للإنسان أن يفكر فيما شاء وكيفما يشاء وهو آمن من التعرض للعقاب على هذا التفكير.
التدرج في التفكر.. وقد تدرج القرآن الكريم في تدريب الناس على التفكر في مراحل متعاقبة:
فالطريق الأول: إعمال الفكر بالنسبة للمحسوسات والمرئيات.
والطريق الثاني: يخاطب فيه القرآن الناس لإقناعهم عن طريق الأسباب والمسببات.
والطريق الثالث: وهو طريق الاتجاه الرفيع بعد أن يكون العقل قد تدرج في التفكير حتى وصل إلى هذه المرتبة.
هذه هي حرية الفكر والتفكير في الإسلام، ربطها الله سبحانه وتعالى بوجود الإنسان ذاته، ودعاه القرآن إلى استعمال حقه في التفكير والتأمل مستخدمًا طاقاته العقلية دون أن يعطلها بالتقليد الأعمى، أو يهدرها فيما لا ينفع ولا يفيد... "مقتبس"

إرسال تعليق

 
Top