GuidePedia

0

الإسلام ونقد الشعر
بعون من الله ومدده سيدور الحديث في هذا الموضوع حول اربعة محاور رئيسية وهي :
_١_الإسلام والشعر.
٢_القرآن والشعر .
٣_الرسول والشعر .
٤_أثر الإسلام في نقد الشعر.
وقبل ذلك نذكر نبذة عن منزلة الشعر في الجاهلية :
معلوم لدى الجميع أن النظام القبلي كان هو النظام السائد في الحياة العربية قبل الإسلام ، وكانت القبيلة تمثل الوحدة السياسية ،والاجتماعية ،والثقافية ،وكان لابد لهذا النظام من أن يذيع مآثره ومفاخره ،ويخوف اعداءه ،إلى غير ذلك من الأمور التي كانت ذائعة الصيت في زمنهم .
ومن هنا كانت أهمية الشعر والشعراء ؛فالشاعر يعبر عن وجهات نظر قبيلته بأسلوب شعري.
كانت القبيلة من العرب إذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل فهنأتها ،وصنعت الأطعمة ،واجتمعت النساء يلعبن بالمظاهر كما يصنعون في الأعراس ،وكذلك كان للرجال طقوس في تلك المناسبة ،فقد كان الشعر مفخرة لهم ،وحماية لأعراضهم ،وذبا عن حسابهم ،وتخليدا لمآثرهم ،واشادة بذكرهم ،وكانوا لا يهنئون إلا بغلام يولد ،أو شاعر ينبغ فيهم ،أو فرس تنتج .(١)
وقد بلغ الشعر في العصر الجاهلي منزلة عالية من حيث الفصاحة ،وحسن الصياغة، وقوة السبك وجمال المفردات .
فكيف اصبح الشعر بعد ذلك؟
١_الإسلام والشعر:
تحدثنا في نبذة مختصرة عن منزلة الشعر في الجاهلية ، والمكانة العالية التي وصل إليها ،ولكننا نرى بعد ذلك من يقول بضعف الشعر في عصر صدر الإسلام ،كلام قال به غير واحد من علماء القرنين الثاني والثالث الهجريين ، وتبعهم بعض ممن أرخوا للشعر بعد ذلك ،وقالوا بأن الإسلام ربما قد حارب الشعر ، واستدلوا بقول المولى عز وجل :(و الشعراء يتبعهم الغاون ألم ترى أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون مالا يفعلون ......)(٢)
كذلك تناقلوا قول النبي صلى الله عليه وسلم :(لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا ودما خير له من أن يمتلئ شعرا ).(٣)
وذكروا أيضا قولا ينسب لعمر بن الخطاب رضي الله عنه :(كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه ،فجاء الإسلام فتشاغلت عنه العرب ، وتشاغلوا بالجهاد ،وغزو فارس والروم ولهيت عن الشعر وروايته ).(٤)
كذلك ورد نص ُّلأبي سعيد عبد الملك بن قُرَيْب بن عبد الملك، المعروف بـ"الأصمعي" (ت216هـ)، الذي ربط فيه بين الشعر والأخلاق ربطا واضحا، فقال: "الشعرُ نَكِدٌ بابُه الشرُّ، إذا أدْخلتَه في باب الخير ضَعُف ولانَ" .(٥)
أيضا ورد نص ُّ لابن سلام الجُمَحي (ت231هـ) يقول فيه: "جاء الإسلام، وتشاغلت عن الشعر العربُ، وتشاغلوا بالجهاد وغزو فارس والروم، ولهَتْ عن الشعر وروايته. فلما كثر الإسلام، واطمأنّتِ العرب بالأمصار، راجعوا رواية الشعر، فلم يَؤولُوا إلى ديوان مدَوَّن، ولا كتاب مكتوب، وألْفَوا ذلك وقد هلك من العرب مَنْ هلك بالموت والقتل، فحفِظوا أقلّ ذلك، و ذهب عليهم منه كثيرٌ". (٦)

وللعلاّمة ابن خلدون (ت808هـ) ،كذلك، رأيٌ معروف في هذا المجال، ، يقول فيه: "انصرف العرب عن الشعر أولَ الإسلام بما شَغَلهم من أمْر الدين والنبوة والوَحْي وما أدْهَشَهم من أسلوب القرآن ونظْمه، فأخرَسوا عن ذلك، وسكتوا عن الخوْض في النطم والنثر زماناً، ثم استقرّ ذلك وأوْنَسَ الرُّشد من الملة، ولم ينزل الوحي في تحريم الشعر وحَظْره، وسمِعه النبي صلى الله عليه وسلم وأثاب عليه، فرجعوا حينئذٍ إلى دَيْدَنهم منه"(٧)
ومن خلال ما سبق يمكن الوقوف على أهم الأمور التي استند عليها من قال بضعف الشعر في عصر صدر الإسلام وهي كما يلي :
١_أن القرآن الكريم قد ذم الشعراء ومن يتبعهم ووصف متبعيهم بالغاوين .
٢_أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ذم الشعر وحذر منه من خلال الحديث السابق .
٣_أن طريق الإسلام غير طريق الشعر ومذهبه غير مذهب الشعراء ، وأن الشعر نكد لا يقوى إلا في الخير .
٤_أن المسلمين قد شغلوا بالقرآن عن الشعر ، وسكت شعراؤهم ليستمعوا إلى كلام الله .
٥_أن بعض الشعراء قد شغلوا عن الشعر بالجهاد في سبيل الله .
٦_أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يهيئ لعامة الشعراء مكانا رحيبا في كنفه ؛لما كان عليه شعرهم من مذاهب لا يقرها الدين ،فكف بعضهم عن قول الشعر .
كانت هذه هي معظم الأسباب التي استند عليها من قال بضعف الشعر في تلك الفترة ، ومع كامل الإحترام لمن قال بذلك ،إلا أن كل هذا الكلام مردود عليه كما يلي :
١_ بالنسبة للاإستشهاد بالآيات فإنه استشهاد منقوص ،بمعنى أنهم قد أخذوا ما يتوافق مع رأيهم ،ولو أكملوا ما بعدها لو جدوا الاستثناء من المولى عز وجل ‏‎frown‎‏ رمز تعبيري إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا ...)(٨)

واستثناء المولى عز وجل في أمر الشعراء ،يدل على أن المذموم من الشعر هو ما عدل به عن الصواب إلى الحق، ومن العدل إلى الظلم ،أو ما كان سبا أو هجاء فاحشا ؛ إذا لو كان الذم لازما لكونه شعرا لما جاز أن يزول بأي حال من الأحوال ،فالاستثاء معروف بأنه إخراج ما بعد الأداة _والتي هى هنا إلا_ من حكم ما قبلها .
٢_كذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم :(لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا ودما خير له من أن يمتلئ شعرا ) .لم تقبله السيدة عائشة رضي الله عنها بتلك الرواية وقالت إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا ودما خير له من أن يمتلئ شعرا هجيت به ).(٩)
وقد قال الإمام الطبراني : ( والصواب القول عندنا في معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا خير من أن يمتلئ شعرًا هُجِيتُ به ، ولا معنى لتوهم المنكر صحة معنى هذا الخبر أن يلزمه- إن قال بتصحيحه- إباحة ما دون امتلاء الجوف من هجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، إذا كان الظاهر منه عنده إنما يدل على النهي عن الامتلاء منه ، دون الدلالة على النهي عما دون الامتلاء ، وأن باطنه عنده يدل على إباحة ما دون الامتلاء منه إلا لغفلة ، بل في ذلك الدليل الواضح لمن تأمله بفكر صحيح ، أنه من النبي - صلى الله عليه وسلم - نهي عن قليل ما هجي به من الشعر وكثيره ، وذلك أنه لا شك أن الامتلاء من ذلك إذا كان نظير الامتلاء من القيح.(٩)
٣_أما القول بأن الشعراء قد انصرفوا عن الشعر إلى القرآن الكريم ،لما ابهرهم بيانه وفصاحته فإن القرآن الكريم لم يأت مفاجأة دون ارهاصات أو مقدمات دينية ، وقد فاضت كتب السير والتاريخ في ذكر تلك الإرهاصات .
كذلك وجدت بعض الأشعار لأمية ابن أبي الصلت ،ولبيد ،وزهير بن أبي سلمى ذكر فيها أمور دينية ،بالإضافة أنه لا وجه للإنبهار عند الشعراء ،فالأصل أن يتأثر الشاعر بالقرآن في أسلوبه وأفكاره ويظهر ذلك في شعره لا أن ينبهر ويقف عاجزا أمام هذا الأسلوب القرآني الجميل .
٤_أما القول بأن طريق الإسلام غير طريق الشعر ،فإن الإسلام قد نهى عن بعض الأنواع من الشعر ،مما لا يتوافق مع تعاليم الإسلام وسماحته ،كذلك هذب بعضا آخر من الشعر ،غير أن هذا لا يعني أن طريق الإسلام غير طريق الشعر، فالناظر يجد أن الإسلام قد أضاف أغراضا جديدة أبدع فيها الشعراء ،كالشعر الديني مثلا المتمثل في شعر المديح النبوي ،وشعر الزهد ،وشعر التصوف .
٥_وغير صحيح أن الشعر نكد لا يقوى إلا في الشر ،فرأي الأصمعي هذا يخالف إجماع معظم النقاد والدارسين الذين قالوا بأن القوة والضعف مردهما إلى مراد الشاعر طبيعته وموهبته وصدق عاطفته .
٦_ أما القول بأن المسلمين قد انشغلوا عن الشعر بالجهاد في سبيل الله فقول مردود ؛لأن القتال والحروب مما يزيد الشعر لهيبا ويفتح المجالات لوصف تلك الحروب ،وكم من مسامرات وجلسات عقدها الصحابة في الحروب ،للاستماع إلى الشعر ومدارسته ،فالصواب أن تلك الحروب كانت عاملا مساعدا على قول الشعر ومدارسته.
٧_ أما القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعد مكانا للشعراء ولم يهتم بهم فكلام يحتاج إلى اعادة نظر ؛لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أعد منبرا لحسان بن ثابت رضي الله عنه ينشد من فوقه الشعر وكان يسمعه النبي صلى الله عليه وسلم
وبذلك تبطل دعوى من قال بضعف الشعر في عصر صدر الإسلام
المصادر والمراجع:
١_العمدة في محاسن الشعر وآدابه ،للحسن بن رشيق القيرواني،تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد ، دار الجيل بيروت لبنان ،١/٤٥ بتصرف.
٢_الشعراء ،الآيات :١٢٤ _١٢٦
٣_الحديث ورد في الصحيحين عن ابن عمر ،وأبي هريرة رضي الله عنهما.

٤_الإسلام والشعر،للدكتور سامي مكي العاني طبعة عالم المعرفة ، طبعة اولى ،١٩٧٨ ،ص:١٥
٥_الموشح ،لأبي عبيد الله محمد بن عمران المرزباني ،تحقيق علي محمد البجاوى،دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع ،ص:٣٠٥.

٦-طبقات فحول الشعراء لابن سلام ، تحقيق محمود محمد شاكر ،مطبعة المدني القاهرة ،ص٢٢.
٧_المقدمة لابن خلدون ،ص:٦٨٧.
٨_سورة الشعراء ،الآية :٢٢٧
٩_الإچابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة،لبدر الدين الزركشي ، تحقيق سعد الاحصافي ،مطبعة الهاشمى ،ص:٦٧
١٠_
تهذيب الأثار وتفصيل الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ،تحقيق محمود محمد شاكر ،مكتبة الخانجى القاهرة

إرسال تعليق

 
Top