** مـــقــال **
في الحقيقة أنني كنت قد كتبت .. مقال .. نشر بجريدة
الأمة أول أكتوبر عام 1989م .. واليوم .. وبعد .. إستحداث
وزارة خاصة للتعليم الفني .. أعيد .. نشره .. لأهميته ..
عسي أن يجد من يعيد الأمور إلي نصابها .
****إلي كل من يهمه الأمر ***
نحن نولد وفي أعماقنا حلم ينموا مع خلايا الجسد فيكبر ويكبر حتي يصبح
هـدفا وطـريـقا في الحياة .. وعندما نتخطي الحد الفاصل بين الواقع والحلم
تـتـحـول دهشـتنا إلي تساؤلات عن الحقيقة التي غابت عنا .. وستغيب ..
إلي أن يـنـقـشـع ضـباب اللامعرفة الحقيقية لواقع حياتنا التي نحياها علي
أرض الله .. وبين أسوار .. وزارة التربية والتعليم .
والبداية كما يقولون صعبة .. ولكن بدأنا .. وأراد لنا الله أن نبدأ .. لنحيا حياة
الإنسان .. نفس الإنسان .. الذي يحلم ويأمل ويتمني .. وكانت البداية مع
الحلم .. مع الأمـل في الـتـغـير .. في التطوير .. كإستجابة للمتغيرات التي
نعيشها وكإنعكاس للمستوي الحضـاري الذي تعيشة المجتمعات .. لتنمي
وتبني الطفل بناءا .. متكاملا .. شاملـا كل الجوانب الروحية والعقلية وكذلك
الوجدانية .. وكانت أول لبنة وضعت في عملية البناء ما نسميه الآن بحلقة
التعليم الأساسي التي يتم فيها ومن خلالها تكوين الفرد لأن يصلح مواطنا
صـــالحا يـسـتـطـيـع أن يستخدم عـقله كما يستخدم يديه وذلك عن طريق
إعطائه يعض المهارات الـعـمـلـيـة كـجانـب من جوانب تكوينه التربوي ليكون
قادرا فيما بعد علي التقييم والتطوير بحيث يستطيع أن يعيش في مجتمعه
يتأثر به .. ويؤثـر فيه .. بما يـؤكـد .. ذاتـه .. وإنتمائه .. كإنسان يحيا ويعيش
ويعمل ويتعامل .. ويتفاعل .. مع مشاكل وقضايا مجتمعه .
وكما نعرف أن المجتمع في أبسط صوره .. كالإنسان .. لاينموا جسده إلا
متكاملا فكذلك شملت التطوير جميع مراحل التعليم بكافة مستوياتها بداية
بإلغاء دور المعلمين والمعلمات وفتح باب التأهيل الجامعي لمعلمي المرحلة
الأولي من التعليم الأساسي إلي التطوير الشامل للمناهج والمقرارات
الدراسية لكافة مراحل التعليم المختلفة .. وهذا كله محمود مشكور .. وكنا
حقيقة نحلم به ونتمني أن نعيش اليوم الذي يتم فيه هذا التغيير والتطوير
لننهض بالركب السائر علي درب الحياة العصرية القائمة في كل مكان علي
أرض الله .
ولكن في الآونة الأخيرة ظهرت موجة من التصريحات والقرارات التي أخذت
طريقها إلي حـيـز التـنـفـيـذ والتطبيق .. دون دراسـة .. مـسـتفيضة للواقع
الإجتماعي والإقتصادي والسياسي الذي تعيشه البلد .. كان منها .. القرار
الخاص بتحـويل الطلبه الـراسـبـيـن من التعليم العام (الثانوية الـعامة ) إلي
مدارس التعليم الفني .. وهذا القرار برغم أنه فتح الطريق الـمـغلق والباب
الموصد في وجه الطالب الراسـب إلا أنه كما يـقـولـون .. زاد الطـين روبة ..
لأننا كما نعرف ونعلم جميعـا أن الإمكانيات الـقـلـيـلـة بل الأقـل من القليلة
داخل أسوار مدارس التعليم الفني لا تكفي لإعـداد طـالب فني ذو خـبـرة
عملية كافية لأن يواجه كـافـة مراحل الإستقلال الذاتي للبناء والتعمير . .
بل إنها تعمل علي تخريج أعـداد رهـيبة من الفنيين .. عديم الخبرة .. هذا
مما زاد المشكلة تعقيدا إلتحاق طالب التعليم العام بها والذي لايطمع من
خلال وجوده بـيـن صـفـوف طلابها إلا في الـحـصـول علي شهادة دراسية
تمـكـنـه من دخـول الجيش .. سنتين فقط لاغير .. هذا يخلاف أنه قد أخذ
دوره .. في الـصـف الـخـلـفـي للـكـم الـهائل من الخريجين المتعطلين من
الفنيين والغير فنيين .. مما زاد الطين روبه .. وأصـبـحـت مـشـكلة البطالة
تفوق في تعدادها زيادة حجم فوائد الديون المتراكمة علي مصـر مـنـذ أن
وعيت أرض الحياة .
وهذا كله معروف ولكن الذي لايعرفه الـكـثـيـرون ان التعليم الفني وخاصة
الصناعي منه هدفه الأول .. والأوحد .. هو تغذية الإقتصاد القومي بالعمالة
اللازمة .. كما ونوعا ..ويعترف جميع العامـلـيـن في حـقـل التربية والتعليم
بهذه القاعدة إنطلاقا وإلتزاما بمسئوليتهم تجاه الوطن وأبناءه .. فهل تحقق
بالله عليكم ولو جزء بسيط من هذه القاعدة .!. وكـيـف لها أن تتحقق .. !.
والإمكانياتالقليلة والمحدودة والخبرات الفـنـيـة والـمهارات اليدوية والعملية
مازالت .. تحبو .. بل ستموت .. ولعلها قد ماتت .. قبل أن تولد .. مع صدور
القرار الأخير للسيد .. وزير التربية والـتـعـلـيـم .. فتحي سـرور .. الذي آباح
فيه دخول الطالب الراسب في المادة العملية إمتـحـان .. دور ثاني .. دون
إعطائه دورة تدريبية عملية في مجال تخصصه .. كـيـف يـحدث هذا ..!. ؟.
ولماذا .. يحدث .. أمن أجل تخريج أجيال عديمة الخبرة في مجال تخصصهم
والوقوف بهم في طابور المتعطلين إنتظارا لصدور .. فرمان من الباب العالي
العاجي للقوي العاملة لتعيينهم مدرسين فنيين عمليين بعد ست سنوات
من تخرجهم .. أم من أجل القضاء علي نـظـام الـتـعليم الفني ووئد المادة
العملية التي هي العمود الفقري للتعـلـيم الفني وخاصة الصناعي والتي
من أجلها إلتحق الطالب بالتعليم الصنـاعـي والتي بها يشق طريقه داخل
خضم ومعترك الحياة العملية في مجتمـعـه الـذي يئـن مـن وطـأة الـديــون
والأزمات وأعظمها ثقلا أزمة الإقتصاد القومي الذي لن ينصلح حاله إلا بهذه
الكوادر الفنية التي ستعمل بخبرتها علي زيادة الإنتاج ورفع جودته .
إننا نسأل ونتسائل من المسئول عن هذا .؟.!. وهل يمكن أن يحدث
التطوير والتغيير بفكر نظري .. ! . وهل يمكن أن يكون التطوير من صنع فرد
أم من فكر مجتمع .!. إن عملية التطوير والتغيير وإصلاح حال التعليم عملية
ذات طابع قومي من الدرجة الأولي وينبغي علينا ونحن ندعوا إلي التطوير
والتغيير إلي وقفة تقييم هادئة ليتم التغيير .. بهدوء .. لأن التعليم لاينصلح
حاله بالطفرة .. ولكن بنظام وتنظيم وتدبير .. ووضع جدول زمني مدروس
ومعلوم لكي .. لا .. نأتي بعد سنوات نقدم قرابين الندم وعندها لاينفع
الندم ويصعب بل يستحيل التغيير والعلاج .
لذا لابد من نظرة واعية متأنية للواقع .. والمواقع .. التعليمية لتهيأة المناخ
المناسب لعملية التغيير والتطوير ليصدق فينا قول رسول رب العالمين .
خيركم من تعلم العلم وعلمه .. أدام الله عمركم .
بقلم/عبدالمجيدالديهي
إرسال تعليق