GuidePedia

0

                                                                      ( الرقصة الأخيرة)

انتهت الزفة سريعاً, فتسابق المدعوون على الدخول للقاعة لحجز أماكن للجلوس وتجنب الوقوف طوال مدة الحفل, وفى منتصف القاعة وقف هو يصافح الجميع ويتلقى التهاني , ويشرف بنفسه على إيجاد أماكن للجلوس لكافة الحاضرين, ويتظاهر بالانشغال بحل تلك المشاكل الطفيفة التي تنشأ في أي حفل زفاف, ويحاول بشتى الطرق أن يُلهى نفسه وأن يبدو منشغلاً, لعله يستطيع أن يخفى ما بدا في وجهه من الحزن على فراق ابنته الوحيدة التي أصبحت عروساً فجأة.
بقلبٍ منفطر يداعب هذا ويبتسم في وجه ذاك, ثم يشرد ببصره عندما يتذكر أنه سيعود لمنزله وحيداً بعد الزفاف, ويراوده حنين جارف لزوجته التي رحلت منذ خمسة عشر عاماً, ربما هو لم يشعر بمثل هذا الحنين لها من قبل لأنه كان يرى وجهها باستمرار كلما تأمل في ملامح ابنته, ولكن كما عودته الدنيا فلا شيء يستمر للأبد وحان الوقت لكى تفارقه ابنته كما فارقته زوجته, وآن الأوان لتلك الفراشة أن تطير بعيداً لتنشر الفرحة والبهجة في بستانٍ آخر.
استفاق من شجونه وشروده عندما انفتح الباب الرئيسي للقاعة ولمح ابنته تدخل منه متأبطة ذراع عريسها, وفور دخولهما تسلطت عليهما أضواء الليزر الملونة وتصاعد الدخان الكثيف حولهما فبدا المشهد أسطورياً, ثم ترددت الأغنية الجميلة المعتادة في مثل هذا الموقف
(طلى بالأبيض طلى يا زهرة نيسان) فابتسم على الرغم منه, فقد كان يعلم كم تعشق ابنته تلك الأغنية وكم كانت تتمنى دوماً أن تسمعها يوم زفافها.
لم يستطع منع السعادة التي تسربت إلى قلبه لرؤية ذلك المشهد, وظل يراقب المشهد باندماج واستمتاع حتى سمع صوت المطربة تردد
(لا تنسي أهلك يا صغيرة...بعينينا ما صرت كبيرة) فنكس رأسه وخبا بريق عينيه مرة أخري, كان يدرك أن النسيان هو سنة الحياة وأنها حتماً لن تعد ملتصقة به كما كانت, وأخذ يتخيل شكل علاقتها به في المستقبل وقد تحولت ألى مجرد زيارة أسبوعية أو مكالمة هاتفية كل فترة, فشعر بالخوف من قسوة الأيام القادمة وما سوف تحمله له من وحدة وكآبة.
انتهت الأغنية وجاءت اللحظة التي كان يخشاها, عندما طلب منظم الحفل من العروسين أن يفتتحا الحفل برقصة ( سلو) على أنغام إحدى الأغاني الرومنسية الهادئة, فخفق قلبه وشعر بغصة في حلقه, وذلك لأنه اعتاد أن يرقص معها تلك الرقصة بالذات كلما حضرا معاً حفل زفاف أو خطبة أحد الأقارب أو الأصدقاء, وكانت هي تفرح كثيراً عندما يدعو منظم الحفل أي زوجين أو حبيبان للرقص بجوار العروسين,فتمسك بيديه وتجره جراً نحو المكان المخصص للرقص, ثم تبدأ في الرقص معه متباهية بذلك أمام أصدقائها, وعلى الرغم من أنه لم يحبذ فكرة الرقص معها في البداية لأنها لا تتناسب مع سنه و وقاره, إلا أنه أحب تلك العادة بمرور الوقت حتى أدمنها, فكان من الصعب عليه جداً أن تراها ترقص مع غيره حتى لو كان زوجها.
لمحها تقترب من عريسها وتهمس في أذنه بشيء ما فرآه ينظر إليها مستنكراً, فبدت وكأنها تطلب منه شيئاً ما وترجوه بإلحاح, فسكت العريس قليلاً ثم أومأ برأسه مستسلماً, فتهلل وجهها فرحاً ثم اتجهت مسرعة نحو منظم الحفل وبدأت في الحديث معه, وظلت تتجادل معه لبرهة وكأنها تحاول أن تقنعه بشيء ما, حتى بدا وكأنه اقتنع فأمسك بالميكروفون وأعلن مبتسماً أن العروس ترغب في أن ترقص مع والدها تلك الرقصة, وطلب من جميع الحاضرين أن يصفقوا تشجيعاً لهما.
ساد الوجوم القاعة, وظهرت حالة من الاستغراب وعدم الفهم على وجوه الحاضرين, حتى الأب نفسه لم يبد أنه استوعب ما سمعه للتو, وظل واقفاً بدون حراك حتى رأى ابنته تركز بصرها عليه وتمد ذراعيها نحوه بحب,وتقبض يديها وتبسطها في إشارة له للمجيء.
شعر بفرحة هستيرية عندما تأكد أن ما سمعه حقيقة وليس حلماً, وأن ابنته قد تذكرته فعلا في موقف مثل هذا, بل إنها اختارت أن تقضى معه تلك اللحظة التي تحلم أي فتاة أن تقضيها مع حبيبها, سار إليها بخطوات مسرعة تملؤها اللهفة هي أقرب إلى الركض, حتى أصبح أمامها مباشرة فاحتضنها بقوة, وظل محتضنها لفترة لكيلا ترى دموعه المنهمرة وتفسد فرحتها, ثم أبعدها عنه قليلاً ونظر في عينها فلمح الدموع تترقرق فيها بدورها, قطع تلك اللحظة المؤثرة صوت الموسيقى التي بدأ يتردد داخل القاعة, فتمالك نفسه سريعاً ثم أحاط خصرها بذراعيه بقوة كأنه يتشبث بها, وبدأت الرقصة.
بدأ يتحرك ببطء ليدور معها فتدور الدنيا به, ويمر شريط حياته معها أمام عينيه لحظة بلحظة, فتتزاحم في رأسه أسئلة كثيرة لا يجد لها إجابة, كيف سيقضى ما تبقى من حياته بمفرده ومن سيشاركه حزنه وفرحه بعد الأن؟ ولمن سيحكى كل يوم عن ذكرياته وأسرار حياته؟ وكيف سيطيق الإقامة بالمنزل بدون أن يري لمساتها الجمالية تزينه وأن يشعر بروحها المرحة في كل ركن فيه؟ وكيف سيشتهى تناول الطعام وهو يري مقعدها على طاولة السفرة خالياً؟ وكيف سيخلد للنوم بدون أن يقبلها ويطمئن أنها نامت بسلام؟
نظر في عينيها مباشرة فرأى فيهما نفس مشاعره ولمح فيهما نفس نظراته وكأنهما تحولتا لمرآة عاكسة, ثم شعر بها تقترب من أذنه لتهمس له بأنها ستفتقده كثيراً, وبأنها ستبقى بجانبه دائماً ولن تتركه وحيداً مهما كان, وأنه سيظل للأبد رجلها الأول وفارس أحلامها حتى لو تزوجت عشرات المرات, أثلجت صدره تلك الكلمات فضمها إليه مرة أخرى, وشعر في تلك اللحظة أن ما بينها أكبر بكثير من أن ينسي أو أن تطويه صفحات الأيام المتلاحقة, وأنها مهما ابتعدت عنه بجسدها فسيظل قلبها متعلقاً به للأبد, وستظل هي في حياته الوردة التي تشع بهجة وحياة, و التي لا يفتر رحيقها أبداً بمرور الأيام.

 

إرسال تعليق

 
Top