GuidePedia

0
ضاعَ مدادُهُ في كُتْبِهِ
شعر: سعود الأسَدي

قصيدة من تداعيات ضرب تمثال أبي العلاء المعريّ أكبر شاعر فيلسوف في الشّرق والغرب ، وقد ضربه التّكفيريّون ، ومن لَفَّ لَفَّهم ، ومَنْ يدفعونهم ، ومن يدفعون لهم ، ومن يسلّحونهم برشّاشاتهم سريعة الطلقات ومناظيرهم الليلية ومدافعهم الأمريكيّة ويغذّون وحشيَّتَهم بخطاباتهم ووسائل إعلامهم ، وهم أعداء الأمّة والعقل والنقل والتنوير والتفكير والاتّزان ، أُهديها إلى العقلانيين في أمّتنا العربية والإسلامية والعالم .

ونحنُ ـ بَنِي الدُّنيا ـ سنَبْقَى لِجَهْلِنا
نُخَاصِمُ فيما بَيْنَنا ونُعَادي
فهذا يُعَادي النّاسَ من أجْلِ مالِهِ
وَدَيْنٍ له يَبْقَى بِغَيْرِ سَدَادِ
وهذا يُعادِي النّاسَ من أجْلِ دِيْنِهِ
وذاكَ يُعادِيْهم لأجلِ مَبَادِي
ولستُ أرَى في النّاسِ دِيْناً مُنَزَّهًا
ولكنَّهُ دِيْنٌ لأجْلِ مَفَادِ
" حَوَى دِيْنَ قَومِ مالُهُم ، فَنُفُوسُهُمْ
إلى الفَتَكاتِ المُخْزياتِ حَوادي (1)"
"خَوَى دَنُّ شَرْبٍ فاستجابوا إلى التُّقَى
فَعِيسُهُمُ نَحْوَ الطّوافِ خوادِ(2)"
فلَوْلا ابتِغَاءُ الرِّبْحِ ما سَحَّرَ امْرُؤٌ
لِصَوْمٍ ونادَى للصّلاةِ مُنَادِ
وما قامَ داعي النّاسِ إلاّ لِنَهْبِهِمْ
وَيَبْقَى كذِئْبٍ في عَداءِ نِقادِ(3)
ويبقَى قَوِيُّ القَوْمِ رَهْنَ تَسَلُّطٍ
ويبقَى ضعيفُ القومِ رَهْنَ صِفادِ(4)
وما نَفَعَ الأقوامَ "بُوْذا" بدينِهِ
ولا مَنْ هَدَاهُمْ في ظَلامِ وِهَادِ)5)
ولا مَنْ فَدَاهُمْ مَاشِيًا بِصَليبِهِ
على دَرْب آلامٍ ، وذلكَ فادِ
كذلكَ من قد هادَ(6) إذْ قادَ قومَهُ
فَضَلُّوا وقد تاهُوا بدونِ قِيادِ
وما زالَ ذَحْلٌ(7) في الشُّعُوبِ كأنَّهُمْ
غَدَوْا دُوْنَ فادٍ في الحياةِ وَهادِ
وكَمْ عَنْعَناتٍ (8) قد مَضَتْ دونَ نَفْعِها
ولا انْتَفَعَتْ ضَادٌ بِأُمَّةِ ضَادِ
وَصِرْنا بها الأضْدادَ بالجَهْلِ ما ارْتَدَتْ
عَلَيْنا ـ وقد مُتْنا ـ ثِيابَ حِدادِ
وقالَ : اقرَأُوا ! لم يَقْرَأوا غيرَ صُوْرَةٍ
لِسَاداتِ قومٍ كائناتِ جَمادِ
فَواأَسَفا والنّاسُ جاءُوا لِيَعْبُدوا
إلهًا لِذَا قد عُرِّفُوا بِعِبَادِ
فما عَبَدُوْهُ ،واسْتَعاضُوا إلهَهُم
بِرِبْحِ تِجَارَاتِ بسُوْقِ كَسَادِ
أقامُوا دكاكيناً من الدِّيْنِ وابْتَنَوْا
مواخيرَ للفُسَّاقِ باسمِ نَوَادِ
وفي كُلِّ قَرْنٍ يَعْمُرُونَ بلادَهُمْ
فيأتي الذي يَسْعَى لِهَدِّ بِلادِ
وما نَفْعُ ما يُبْنَي وتأتيهِ هَدَّةٌ
هَدَادَيْكَ يا هذا!(9) هَدَاكَ هَدَادِ(1)!
يُتاجِرُ قومٌ بالسِّلاحِ وصُنْعِهِ
وقَوْمٌ بأُفْيُونٍ وعِرْضِ خِرَاد (1)
تَبَدَّدْتُمُ طَيْراً أَبابيل(12) بِئْسَ ما
) فَعَلْتُمْ وقد صِرْتُمْ شُعُوبَ بَدَادِ(13)
وما زالَ " عقلُ النّاسِ " طِفْلاً إذا مَشَى
) فليس كثيرًا أنْ يُخَاطَبَ " دَادِي (14)"
ولو عَقَلَ الإنسانُ ما خاصَمَ امْرَأً
ولا جَرَّ جيشًا لاِحْتلالِ بِلادِ
فإنَّ شُعَوبَ الأرْضِ بالسِّلْمِ تَلْتَقي
ولكنَّ مَنْ قَادُوا الشُّعُوبَ أعَادِ
مَصَالحُهُمْ تَقضي بِضَرْبِ شُعوبِهِمْ
وَهُمْ في تَعاديهِمْ كَخَيْلِ طِرَادِ
وشرقٌ وغربٌ والصِّراعُ مُسَخِّرٌ
شُعُوبًا لِحَرْبٍ والنّفيرُ(15) يُنادي
ولولا احتياجُ الوَحَشِ والطَّيْرِ رَحْمَةً
لما عَهِدُوا لِلأرْضِ سَقْيَ عِهادِ(16)
" تأمَّلْ قديمَ الأمْرِ تَعْلمْ حديثَهُ "
فكلُّّ جِدادٍ(17) فيهِ غَيْرُ جِدادِ
ومن وَعَدَ الإنسانَ بالخيرِ مُقْبِلاً
فما وَعْدُهُ إلاّ كَذَرِّ رَمَادِ
فَسادٌ قديمٌ ضَمَّ أبناءَ آدَمٍ
وقد شَذَّ مَنْ جاءُوا بغيرِ فَسَادِ
ففي بَعْضِ جِيْنَاتِ الخلائقِ مَظْهَرٌ
يَشُذُّ فيأتِي عن طريقِ عِنَادِ
وما قَتْلُ قابيلٍ أخاهُ تَعَدِّيًا
بِقَتْلِ دِفاعٍ بَلْ بقَتْلِ عَمَادِ
ولولا الغُرابُ الجَوْنُ(18) ما كانَ عارفاً
طريقَةَ دَفْنٍ إذْ دَهَتْهُ عَوادِ (19)
فَوَيْلٌ لنا من تَعْسِنا بانَ سَعْدُنا
وما هذه الدُّنْيا بِدَارِ سُعَادِ
خَرَطْنا قَتَادًا (20) في الحياةِ وَبَعْضُنا
مَضَى وهو طَِفْلٌ دُوْنَ خَرْطِ قَتَادِ
ومن حَصَدُوا كانَ الزُّؤَانُ حَصَادَهُمْ
فيا ليتَنا نَمْضِي بِغَيرِ حَصَادِ !!
ونادَى بِوَادٍ ذو حَيَاةٍ فَلَمْ يَجِدْ
مُجيبًا وقد أَوْدَى النِّداءُ بِوَادِ
ولو قالَ : إنّي بالمجاعةِ مُبْتَلَىً
لَضَنُّوا وما جاءُوا إليهِ بِزادِ
ولو قالَ للنّاسِ :اكْرَمُوا بِزِنادَةٍ( 21
لأحْرِقَ ذاتي ، ما أتَوْا بِزِنادِ
وقالوا : فُلانٌ ذا(22) جَوادٌ وإنّما
أتى في امتحانِ الجُوْدِ غيرَ جَوادِ
وقالوا فُلانٌ ذا جِهادٌ وإنّما
مَضَى في سبيلٍ غيرِ دَرْبِ جِهادِ
وَقالوا :فُلانٌ ذا زِيادٌ بفضلِهِ
فلم يَشْهَدُوا في النَّقْصِ غيرَ زِيادِ
وقالوا : عِمادٌ كي يكونَ دِعامةً
فإذْ بِعِمادٌ في احتياج عِمادِ
وقالوا : وَدادٌ وهي ذاتُ مَوَدَّةٍ
فإذْ بوَدادٍ غيرِ ذاتِ وَدادِ
وقالوا :سُهادٌ وهي ذات تَسَهُّدٍ
فإذْ بِسُهادٍ غيرِِذاتِ سُهادِ
وَسمَّوْا ربيعًا والخَرِيفُ بوجهِهِ
فكانَ قُرادَ(23)الخيلِ وابنَ قُرادِ
وقد جاءَنا شيخُ المَعَرَّةِ مُبْصِراً
فهلْ سارَتِ العُمْيانُ دَرْبَ رَشَادِ
فَوَاأَسَفَا ضَاعَ المِدَادُ بُكُتْبِهَ
فيا لَيْتَها ظَلَّتْ بِغَيْرِ مِدادِ
وَوَجْهُ غُرَابِ البينِ يبقَى سَوَادُهُ
سَوَادًا ولن يَرْضَى بغيرِ سَوادِ !
ــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا البيت والذي يليه لأبي العلاء المعريّ ، والمعنى :
(1)لقد أفسد المالُ دينَ الناس بسبب البَطَر وركوب ما هم فيه مما تدعو إليه النفس . والحوادي الأرجل الخلفية لانها تتلو الأمامية كما يتلو الحادي القافلة ليحدوا لها فتجدّ في سيرها .
(2)فرغ وعاء خمرة من يشربون الخمر ، فتذكّروا دينهم وإيمانهم ،فوجّهوا إبلهم نحو الكعبة مسرعات .
(3) النِّقاد : صغار الغنم . (4)الصِّفاد : القيد . (5)وهاد :جمع وهدة : المنخفض من الأرض . (6)هاد : دخل اليهودية
(7)ذَحْل : ثأر.(8)عنعنات : روايات روى فلان عن فلان .
(9)هَدَادَيْكَ منصوبة على التثنية مثل سَعْدَيْكَ وحَنَانَيْكَ
وتعني تَرَّفَقْ وكُنْ لطيفاً ,
(10)هَدَادِ مبنية على الكسر على وزن فَعَالِ كحَذَامِ للتلطّف والتأنّي .(11)الخِراد : جمع خريدة وهي الفتاة البِكْر .
(12)أبابيل : متفرّقة .(13) بَدَادِ : متفرّقة
(14)دادي : لفظة تقال للطفل البادئ في الوقوف والسير
تشجيعًا له على الوقوف واستحثاثاً على السير .
(15)النّفير : النفير البوق ، وهو نفير الحرب .
(16)العِهَاد : أوّل مطر الرّبيع . العوادي :المصائب.
(17)جَداد : جمع جديد .(18) الجون : الأسود .
(19)العوادي :المصائب .(20)القَتَاد : شجر صلب له شوك كالإِبَر.
(21)الزِّنادَة :حديدة فولاذية تشعل بها النار بقدحها بحجر الصّوان .(22) ذا :اسم إشارة بحذف هاء التنبيه .
(23) القُرَاد : جمع قُرادة وهي دويبة تتعلّق بالبعير ونحوه
وهي كالقمل للإنسان.


 


إرسال تعليق

 
Top