GuidePedia

0

التماهي والتمازج بين الصوره والمعني والموسيقى في قصيدة أجراس للشاعر د . محمد احمد الأسطل
بقلمي :- ناظم ناصر
27\11\2014
عندما استيقظ الإنسان الأول فرأى أشعة الشمس و هي تتراقص بألوانها الذهبية من خلال فضاء واسع أزرق جميل فيرتسم إشراقها على الأشجار بخضرتها الزاهي و النسيم يداعب أغصانها فيصدر الحفيف صوتا رقيقا وهي تتمايل في الهواء ثم سمع خرير الماء وهو ينساب عبر النهر بموجاته الصغيرة التي تقبل ضفافها فتصدر لحنا يكمل هذه السيمفونية الطبيعية فتنتعش نفسه وتشعر بالرضا والطمأنينة فتطرب لما تسمع من موسيقى ويبدأ الإنسان يحكي الطبيعة ويتغنى معها بكلمات قد تكون نثرا أو بكلمات أخرى تتناسب مع هذا اللحن الجميل وهذا هو أصل الشعر الذي يعتبر محاكاة للطبيعة وأهم عنصر في هذه المحاكاة هي الموسيقى وهذه هي القاعدة الأساسية لكل أنواع الشعر وخاصة قصيدة النثر
والشاعر الدكتور محمد أحمد الأسطل استطاع إخضاع اللغة لفكره الخلاق واستنبط منها مفردات جديدة استطاع من خلالها رسم صور و لوحات ليست موحية الى أشكال جديدة ومعاني وحسب وإنما استخدمها كأصوات استخرج منها لحنا سنفونيا جميل فأنت تسمع الحروف تشدوا في كورال جميل تتبعها الكلمات مردده صدى النشيد كالأجراس
وقصيدته أجراس خير دليل عن ما نقول وهي قصيدة طويلة اخترت منها جزئين
تبدأ القصيدة بكلمة ريثما كأنما تعلن عن دخول موسيقى مكتومة كالانتظار في ليل شتائي من رماد تعزف على حرف الثاء في الكلمات كمسيرة جنائزية يكاد الحزن و الأسى يفر منها ضجرا وهذه الموسيقى تتناسب مع الكلمات والمعاني فهي صوره جنائزية فقبل أن يكون هناك معزين كان الموت وشبح قاتل يضغط على الزناد وموت يتدحرج وقتيل يتعثر بآهات الليل يتشبث بأخر لحظات الوقت التي تحتضن الحياة بهذه اللوحة التي رسمت بريشة فنان متأني رسم تفاصيله ببطء المشهد ومن ثمة عليك أنت أن تكمل الباقي بذهن المتوقد والتّواق لمعرفة التفاصيل وهنا تكمن روعة الشاعر و إمكانية قصيدة النثر فهي تأخذك مع الكلمات الى أقاصي الخيال وتجعلك الشاهد الأول على الابداع لأنك سوف تشارك بخيالك فيه
ريثما يُطِلُّ كَفَنُ المُعَزِّين
وشبحٌ يتبنَّى الإصبعَ و الزِّناد
يتدحرجُ الموتُ قطراتٍ يابسة
يتدحرجُ اللَّيلُ مُتعَبًا على عَثَراتِ القَتيل
يتدحرجانِ فَتُشاكِسُني خُطاي
لكن هنا من شاهد القاتل وشاهد القتيل وهو يهوى يتدحرج في جوف الليل المتعب فتشاكسه خطاه مبتعد عن أنفاس الليل والقاتل والقتيل الذي تدحرج في عتمة الليل
وهنا يكون العزف على حرف الشين حيث المشهد يغرق في ضباب التكوين الأفكار تتبعثر و تتشتت و قد تتلاشى و الشاعر يحاول أن يستجمع ذكرته يحشد جسده في جسده يحاول يتوقف ويترجل من سفر الانتظار يمزق الخيوط التي نسجها عنكبوت الصمت على لسانه يحاول أن يقول أن يكتب يدون اللحظة لكنه لايستطيع تسحبه الذاكرة من رماد الموقف إلى مكان بعيد كأنه يدخل مرآيا الزمن الى بحيرات بعيدة مثقوبة و ربما أشجار خاوية وريح سيستحضرها في ما بعد و يتعرف على نكاية الذبح بريئتين لا تتنفس على الذئاب وهي تبكي على الفريسة
فيهجس كأنه هواء تلفحه حرارة الهجير هواء كالعطش هواء ذابل لا يحمل الكلام ولا يرتق ثوب الحياة الممزق , هواء يشهق بخزف الكلام حيث لا صوت لا صدى او يختلط الصوت والصدى في ذاكرة اللاشيء في اللانهاية ويسقط كل شيء في العدم وتخفت الموسيقى و الصور تبهت رويدا رويدا و تتوارى خلف الغياب ساحبة الموت والميلاد و الألم و قبل أن ينتهي كل شيء ويصمت الصمت وقبل ان ينتبه المعزين وهم يحملون أكفانهم تنبثق الحياة من جديد كالخروج من السراب من الحلم الى الواقع ويبدأ الشاعر بالدق رجع الحياة و يحاصر الموت بالحياة غالقا بحيرات الظلام و الألم و كل ضجيج يحاول ان يسحبه من الحياة بإبداعه الذي انبثق كزهرة تبتسم بوجه الفجر
أحشُدُ جسدي أمامي ، أحشُدهُ في مُؤخرة السَّفر
أحشُدهُ متلبدًا تحتَ اللِّسان
أحشُدهُ ويدايّ نهرانِ من الورق
أتعرفُ على بحيراتٍ كاملةِ الثُّقوب
أتعرفُ على نكايةِ الذَّبحِ في الرِّئتين
وأحشُدُ في طريقي دمعَ الذِّئاب
فأهجسُ كأنِّي هواءٌ يجترُّ الأُوار
هواءٌ ذابلٌ يشهقُ خزفَ الكلام
حيثُ لا جنوبَ يلتَهِمُ الصَّدى
أدقُّ رجعَ الحياة ، أدقُّ موتًا يبحثُ عن حِصار
أدقُّ بركةً تغرقُ في التَّفاصيل
أدقُّهُم جميعًا متكِئًا بحرَ الظَّلام
ثم يبدأ الشاعر حياته الجديدة فهو يستحضر الريح يلقنها عنفوانه في كلمات يلقنها معنى الحياة الريح التي هي أفكاره وأحلامه التي كانت القتيل وتدحرجت في ذلك الليل المتعب التي حاولت اغتيالها يد التخلف والفساد الذي يقف بالضد من أحلام الشاعر لكنه يعود يستحضر ريحه وينبثق من الرماد كطائر العنقاء ليعلن صرخته بوجه الظلم والتعسف ليوقف هذا الجرح النازف
أستحضِرُ الرِّيحَ ، ألحَسُها ، ألهَجُها ،
أُولَعُ بها ، أمضغُها ،
أضغطُها ب" كلتا " المبنيّة على جسدِ النَّزيف
أضغطُ بدمٍ باردٍ مبتور
فتنقسمُ ذاتي عَلاواتٍ من ردمِ السَّماء
تنقسمُ بعيرًا وعشرَ نكايات
التحليل
الشاعر الدكتور محمد احمد الأسطل ضبط بوصلته باتجاه الإبداع وقد تمكن من ذلك عبر قصيدته ومنحها من روحه عبر التماهي والتمازج بين الصور والمعاني والفكرة ,فهو يستثمر تكثيف المعنى و التأثيرات النثرية لصالح الموسيقى والمعنى في آن واحد و الايقاعات في القصيدة تعبر عن حالها في عدة صور فهي من خلال استغلال الحروف الصوتية ونطقها وكذلك من خلال استخدام هذه الحروف و قوتها الايقاعية في الكلمة ثم بالجملة كاملة
والمشكلة التي تواجهها قصيدة النثر هي عدم وجود تعريف محدد لها ولذا تجد كل قصيدة تأخذ شخصيتها الاعتبارية والمعنوية من شخصية الشاعر الذي يكتبها ويصوغها ولكن عندما تقرأ لشعراء معروفين بذاتهم تشعر من خلال الاحساس ما هي قصيدة النثر والشاعر الدكتور محمد احمد الأسطل هو من هذا الطراز من الشعراء وهذا يتطلب الى ثقافة واسعة
وبما أن قصيدة النثر تحررت من القيود والصيغ القديمة وأصبحت تمثل الحياة , وانطلاقها في أفاق واسعة من الابداع أخذت على عاتقها الكشف عن الحقائق والقيم والبحث عن عوالم جديدة عن طريق تفاعلها مع الواقع الذي تولد فيه والرؤى التي تعتمد على ثقافة الشاعر وتطلعه الى عالم حقيقي من الخلق والتفكير بما هو أفضل لذا توجب على كاتبها أن يكون منفتحا على الحياة وغير غارق في أحماض الذات ولديه موهبة فذه متمكن من أدواته و هذا ما نجده عند شاعرنا
المشكلة نحن دائما نعتمد على النظريات النقدية القديمة و هذا يناقض المنطق لأن القصيدة النثر تتطور والنقد متمسك بقواعده القديمة وهذه مشكلة ولذا ترى الشاعر يقبل بأي قراءة نقدية فيها الاشارة الى مدارس نقدية معينه وأنا دائما أحاول جاهدا أن أجد طريقة نقدية تناسب قصيدة النثر ولذا ابتكرت طريقتي هذه و التي أحاول فيها بقراءة القصيدة بطريقة قريبة للكتابة الشعر أي كتابة قصيدة على أبداع قصيدة وهي طريقة قابلة للنمو والتطور وقد تصبح مدرسة في المستقبل
الجزء الأول من النص :
أجراس
ريثما يُطِلُّ كَفَنُ المُعَزِّين
وشبحٌ يتبنَّى الإصبعَ و الزِّناد
يتدحرجُ الموتُ قطراتٍ يابسة
يتدحرجُ اللَّيلُ مُتعَبًا على عَثَراتِ القَتيل
يتدحرجانِ فَتُشاكِسُني خُطاي
أحشُدُ جسدي أمامي ، أحشُدهُ في مُؤخرة السَّفر
أحشُدهُ متلبدًا تحتَ اللِّسان
أحشُدهُ ويدايّ نهرانِ من الورق
أتعرفُ على بحيراتٍ كاملةِ الثُّقوب
أتعرفُ على نكايةِ الذَّبحِ في الرِّئتين
وأحشُدُ في طريقي دمعَ الذِّئاب
فأهجسُ كأنِّي هواءٌ يجترُّ الأُوار
هواءٌ ذابلٌ يشهقُ خزفَ الكلام
حيثُ لا جنوبَ يلتَهِمُ الصَّدى
أدقُّ رجعَ الحياة ، أدقُّ موتًا يبحثُ عن حِصار
أدقُّ بركةً تغرقُ في التَّفاصيل
أدقُّهُم جميعًا متكِئًا بحرَ الظَّلام
أستحضِرُ الرِّيحَ ، ألحَسُها ، ألهَجُها ،
أُولَعُ بها ، أمضغُها ،
أضغطُها ب" كلتا " المبنيّة على جسدِ النَّزيف
أضغطُ بدمٍ باردٍ مبتور
فتنقسمُ ذاتي عَلاواتٍ من ردمِ السَّماء
تنقسمُ بعيرًا وعشرَ نكايات


 

إرسال تعليق

 
Top