GuidePedia

0
الشخصية .. الإسفنجية .
يكفيه بضع دقائق ليرى نفسه في سياق أي موضوع , بل ويصبح جزءًا أصيلاً فيه , كذلك كان يعاني أشد المعاناة , ويمتعض كثيراً ... إذا تعرض الطرف الضعيف للهزيمة أو هُضِم حقه . فيشعر نفسه كأنه هو المظلوم ... يقلق , وينفعل , وتهيج أحاسيسه , بحيث يصبح معنيَّاً في القصة . 
يطلق بعض الأدباء على هذه الحالة اسم الشخصية الدرامية , أما علماء النفس فيسمونها بحالة التوحد , أي أن الإنسان يتوحد مع الشخص المتعاطف معه , بحيث يصير هو والشخصية المتعاطف معها شخصية واحدة , وكل ذلك يحصل له على مستوى لا شعوري , وخارج نطاق وعيه , غير أنه ... كان يلاحظ نبضات قلبه تتابع هذا الشخص صعوداً وهبوطاً , وينسى أنه خارج المعادلة , وأنه مجرد مشاهد وعابر سبيل . أكسبته هذه النقمة ... شعوراً دائماً بالاكتئاب , وإن لم يكن مصاباً بمرض الاكتئاب , والأمر مختلف تماماً بينهما , فالاكتئاب كمرض , يسبب أعراضاً نفسية أو عقلية واضحة , إضافة إلى أعراض جسدية ... أما الإحساس بالاكتئاب , فيولد شعوراً بالحزن , والشجن , هذا الإحساس يلازمه بدوره في أغلب الأوقات , وربما لازمه طوال حياته , وينعكس ذلك على سلوكه , وعلاقاته واهتماماته , ويصبح ميالاً للوحدة أحياناً وأشياء أخرى كثيرة , ليس من المناسب ذكرها هنا... ولكن أبرزها ... عدم الاهتمام بالآخرين , والانطواء , وعصبية المزاج , ويتحول بالتالي إلى شخصية متشائمة ونكده , ولكن إذا نظرنا للموضوع من زاوية مختلفة ... سنجد أن هذه العاهات , أكسبت صديقنا شهرة ... منقطعة النظير, بحيث أنه ليس هنالك على وجه الأرض , أديب أو مثقف ضليع , لا يعرف و لم يسمع به , أو يسمع برواياته , تحولت هذه النقائص والعيوب إلى نعمة , واستمد منها الإلهام في معظم أعماله الروائية الفذة , واستطاع أن يجعل من كل شخصيات رواياته دون استثناء , نماذج صالحة للتوحد , بمعنى أنه أجبرنا على التعاطف مع كل شخوصه , ففي كل شخصية يرسمها جانبٌ إنساني , سواء كان خيراً أو شراً , يخاطب ما يقابله في داخلك . فأنت قد ترى بعض نفسك في كل شخصياته , واستطاع بعمق تجربته وهول ثقافته , أن يجمع في كل شخصية , شتى الجوانب المتناقضة , التي لا بد أن تجد نفسك متجاوباً ومتعاطفاً ومتوحداً معها . 
ولا أريد أن أتكلم عن شهرته ومكانته بين الأدباء والشعراء , فمن منا لا يعرف (جان فلجان ) بطل رواية البؤساء , وأحدب نوتر دام , وبائعة الكبريت وغيرها الكثير ... 
غير أن هذه الشهرة والمجد لم تسعفانه , ليعيش إنسان مستقراً نسبياً , كباقي من يتمتعون بنصف امتيازاته , فعلى المستوى الأسري تزوج من امرأة اسمها ( أديل ) كانت من أجمل نساء عصرها , ولكنها لم تستطع أن تعيش مع رجل ... نكد... ثائر ... قاسٍ ... , لقد عانت (أديل) معه الأمرين , ومنذ ليلة زفافها الأولى , ونظراً لمعاملة زوجها المضطربة والغير المسؤولة , لجأت ... لـ (سانت بول) الشاعر والناقد المغمور, النكرة بالنسبة لزوجها , الذي ذاع صيته في جميع أنحاء أوروبا , بسبب شهرته كأديب وشاعر وسياسي ثائر , وخانته معه . ليس هذا وحسب ... بل إنه اعتراه الغرور , والعناد , في السنوات الأخيرة من حياته , مما حمل الحكومة والجهات المعنية , لنفيه خارج وطنه فرنسا , ليموت وحيداً وغريباً . 
لدرجة أن زار أحد السواح الفرنسيين , جزيرة جيرسي في إنجلترا بهدف رؤية الآثار , والمكان الذي كان يعيش فيه الأديب الفرنسي ( فيكتور هيجو ) , وعندما سأل أهالي الجزيرة عنه , فوجئ بجهلهم بوجود هذا الأديب أصلاً في جزيرتهم , رغم شهرته الواسعة في جميع بلاد العالم .
وتبين بعد التقصي والتحليل للأمور , أن الأديب الكبير... عندما نفي للجزيرة , تجاهل الإنجليز ولم يهتم حتى بتعلم لغتهم . وكان يقول : إذا شاءت إنجلترا أن تتحدث إلي فلتتعلم لغتي .
لذلك : عاقبه الناس فيها بعدم الاهتمام به , فعاش وحيداً معزولاً في حياته , ومنسياً فيها بعد موته .
مكرم قنديل .

إرسال تعليق

 
Top