GuidePedia

0
الـخــيـــانـــة
قـصـــة قــصــــــيرة
بــقــــــــلـم
حــســـــن زايـــــــــد
أيقظني تغريد البلبل ، كالعادة يأتي كل صباح ، يقف على أغصان شجرة المانجو التي تعانق نافذة غرفة نومي ، ثم يطلق تغريدته الفريدة ، تنسل من فتحات شيش النافذة فتملأ جنبات الغرفة ، تعانق نغماتها أذناي ، فتنفتح عيناي على نور الصباح ، طقس يومي لا ينقطع ولا يختلف موعده . أنسل من تحت الغطاء بهدوء متوجهة إلي النافذة ، أُطلُّ عليه فيطير ، وكأنه قَدِم لإيقاظي ، واطمَأَنَّ لذلك ثم انصرف . أسحب الستارة المنسدلة كي أغلق بها النافذة ، فينحجب ضوء النهار نسبياً . أمشي على أطراف أصابعي حتي لا يستيقظ زوجي ، إنه هناك ، كان نائماً بجواري ، ولا يزال يغط في نومه . أذكر أن المرة الوحيدة التي اختلفنا فيها كانت بسبب البلبل ، فقد نبتت في ذهنه فكرة التخلص منه ، لأنه يزعجه ، وعندما علمت بنيته أعلنت عن انزعاجي وغضبي ، وفي النهاية رضخ لرغبتي . وأنا اعلن ابتداءًا أنني أحب زوجي حباً جماً ، لأننا عندما تعارفنا كانت العاطفة بيننا دافئة طرية شهية ، كان قلبي بكراً ، وقلبه كذلك ، لم تعبث بشغافهما عاطفة مما بين الذكر والأنثى من قبل . بدأت هادئة خجولة ، النظرات ،الهمسات ، اللمسات ،الإحساسات ، وارتعاشات المشاعر البكر . شعرنا معاً في آن واحد بلذة وحلاوة طعم القطفة الأولي . القطفة الأولي من الأشياء والمعاني والكلمات والمشاعر والأحاسيس ، لا تزال تحمل قطرات الندى قبل أن تلفحها شمس النهار ، لم تُلمس أو تُخدَش أو تُجرَح ، كأننا آدم وحواء لم يسبقنا بشر إلى الوجود ، ولم يلحق بنا بشر بعد . لم ننجب أطفالاً بعد ، ولم نتفق على عدم الإنجاب . ولم يؤرقنا ذلك ، ولم نفكر فيه . وحياتنا تسير على هذا النحو . يبدو أنني استغرقت في أفكاري ، هكذا أنا دائماً ، دفعت عني خواطري المتدفقة ، وتسللت من الغرفة على مهل حتى لا أُوقظه دون قصد ، فهو في حاجة إلى قسط وافر من الراحة ، لأنه يأتي من العمل مكدوداً ، فهو يعمل أستاذاً في كلية الطب صباحاً ، وفي عيادته حتى ينتصف الليل . جانب كبير من شهرته كطبيب استمدها من شهرة والده ، والجانب الآخر من كونه شاعراً يرتاد المحافل الأدبية ، وله دواوين منشورة . لم أكن أغار من تفوقه وشهرته شأن بعض النساء مع أزواجهن ، ولم أكن أغض قط من قيمته ، ولا ينطبق علي قول أحدهم أن وراء كل عظيم إمرأة تقول له دائماً أنه ليس عظيماً إلى هذا الحد . بل إنني كنت أعتبر أن وقوفي وراءه بخطوة أو خطوتين يمنحني جزءاً من عظمته . كان لدي عملي الذي يملأ الفراغ المتبقي من حياتي ، مكتب صغير للهندسة في أحد الأحياء الراقية ، يساعدني فيه بعض زملاء الدفعة والمهندسين الشبان . توجهت إلى الحمام ، نزعت عني ملابسي وأنا احاول دفع تلك الخواطر التي تداهمني اليوم لأسباب غير معروفة ، أسلمت نفسي للماء الدافيء ، وأغمضت عينيّ ، داهمني خاطر الإتصال بصديقتي ، خرجت من البانيو ، جففت جسدي ، وارتديت ملابسي ، ولففت شعري ، وتوجهت إلى المطبخ ، أعددت كوباً من النسكافيه ، ثم توجهت إلى الصالة ،القيت بجسدي على الكرسي ، وارتشفت رشفة من الكوب ، أمسكت بهاتفي النقال ، وطلبت رقم صديقتي :
ـ آلو .
ـ .....
ـ هل لك في الخروج الليلة ؟.
ـ .....
ـ نتسوق .
ـ .....
ـ إذن ، سأهاتفك في الموعد .
الساعات البكر من النهار يغمرني فيها الإحساس بالمتعة ، حيث الذهن صافياً ، والوجدان نقياً ، لم تعكر صفوهما بعد أكدار الحياة . وقد كانت هذه السويعات هي أفضل أوقات مذاكرة الدروس بالنسبة لي ، فقد كانت تنطبع على صفحة ذهني . ولا زالت صديقتي المتبقية من أيام الدراسة تحسدني على ذلك ، فقد كانت
تستيقظ كي تنام ، وتبدو عند استيقاظها كسولة عبوسة ، وأنا على يقين أنها قد عاودت النوم بعد اتصالي بها ، تقاسمنا الأفكار والأحلام والطموحات ، وافترقنا في الاستيقاظ مبكراً ، ولم يفرقنا زواجنا إلا قليلاً . فالود بيننا موصول ، والزيارات قائمة . وها أنا ذا أهيم فيما مضى مرة أخرى ، ولا أدري كم استغرق ذلك من الوقت ، فأخذت أرتشف من فنجان الشاي رشفات متلاحقة كأني في عجلة من أمري . نهضت من مقعدي متسللة على أطراف أصابعي ، كأني لص محترف يحسب خطواته ، وينتبه لمواضعها ، ويحرص على وقعها خشية إيقاظ من في البيت . أدرت أكرة الباب بهدوء ، ودفعته على مهل . لملمت أشيائي بخفة ،ثم خرجت على نحو ما دخلت . وقفت أمام المرآة الطولية الموجودة بأحد جوانب الصالة كي أرتدي ملابسي ،علت قسماتي ابتسامة عندما مرت صورة أمي أمام عيني ، فقد كانت تنهرني عندما أطيل الوقوف أمام المرآة . لم أفقد الإهتمام بهندامي الذي يبرز أنوثتي بعد ، فقد ضبطت نفسي متلبسة وأنا أرقب بعيون لامعة شعري الناعم المتدفق وهو ينسدل على كتفي مسترسلاً ،صانعاً إطاراً أسوداً سواداً فاحماً لوجهي القمري المدور المنمق القسمات ، ولطالما غازلني زوجي بإطراءه علي بريق جمالي الأخاذ على حد وصفه ، ولمعة عيوني الرمادية حين ترمقه . انتهيت من إرتداء ملابسي ، والإطمئنان على هندامي ، ومراجعة مكياجي ، ووضعت قدمي في الحذاء فاستطال قوامي ، التقطت الحقيبة ، وعلقتها في كتفي ، وعدت إلى المرآة استرق نظرة أخيرة ثم انصرفت مسرعة . فتحت الباب بتمهل حتى لا يحدث صوتاً ، جري ذلك الحرص مني مجري العادة من كثرة تكراره . أغلقته خلفي ، ووقفت قليلاً أحتضن نسمات الهواء الطري البارد وهو يعبث بوجنتي ، ويرفع خصلات شعري ويحطها علي كتفي ، الشمس ولدت من فورها عند حافة الكون ، وهي تبعث بخيوطها الذهبية فتضيء الوجود ، وتبعث فيه الدفء ، أخذت نفساً عميقاً ، تقافزت فوق الدرجات القليلة التي تفضي إلي ممر ضيق مغطي بالنجيل ، وتحفه أشجار الحديقة من الجانبين . دلفت يميناً حيث تربض السيارة تحت مظلة بجوار السور من الداخل . ضغطت زر الريموت فصرخت السيارة ، فتحت الباب وأدرت المحرك . تحركت في اتجاه البوابة لفتحها ، فإذا بذلك الرجل العجوز يقبض علي مقشته ، ويدفعها ليزيح بها الأوراق والأتربة من الشارع ،فلا يفضي فعله إلي نظافة الشارع ، ولا يكف هو عن العمل . توجهت ناحيته ونقدته بما تيسر ، فنظر في امتنان لم احتمل رؤيته ،عدت إلي الداخل وعينيه تطاردني ، القيت بنفسي داخل السيارة ، نظرت إلي المرآة ،ثم أدرت تسجيل السيارة ، وتحركت علي مهل . خرجت من البوابة ، ثم أوقفت السيارة كي أُوصد الباب ، فإذا بالرجل العجوز صاحب المقشة وكأنه بحسه قد أدرك نيتي ، فإذا به يلقي بالمقشة جانباً ، ويهرول ناحيتي ماداً يده قائلاً : المفتاح يا هانم . ناولته المفتاح ، فهرول ناحية البوابة ، أغلقها وعاد مهرولاً . أعطاني المفتاح وعيناه تنطق بالغبطة والإمتنان . تحركت بالسيارة وهو يرفع كلتا يديه محيياً . وانطلقت نفسي مع انطلاق السيارة وصوت الموسيقي وأصابعي وهي تنقر عجلة القيادة . لم تغفل عيني عن الطريق ، والسيارات المارقة تشق طريقها إلي جواري . وقعت عيني علي سيارة صديقتي متوقفة في الإتجاه المعاكس ، فرمقتها عن بُعد ، فإذا بصديقتي بداخلها ، وما أن وقعت عيني علي عينيها ، أشاحت بوجهها عني . يتعذر عليَّ التوقف المفاجيء خشية الإصطدام . دفعني الفضول إلي الإلتفاف بالسيارة من أول دوران للإتجاه العكسي ، كان لابد من استطلاع الأمر، والبحث في علة إشاحتها بوجهها عني ، تعكر مزاجي ، وفقدت الموسيقي طعمها فأغلقت التسجيل ، لم أعد أشعر بسرعة السيارة وهي تنهب الطريق نهباً ، محدثة عويلاً ممتداً . أشعر بالوقت طويلاً ثقيلاً لزجاً خانقاً . تلاشت الصديقة بسيارتها من المكان دون أن أقف علي علة تصرفها . حاولت مهاتفتها علي تليفونها النقال إلا أنه مغلق . انطلقت بالسيارة مرة أخري دون وجهة هذه المرة ، مدفوعة برغبة عارمة في الذوبان داخل الزحام ، شقت السيارة طريقها بلا توقف ، تختفي خلفها الأشياء ، وتتوالد أمامها أشياء علي نحو مفاجيء ، وأنا شاردة الذهن في اللاشيء . خيوط الشمس الذهبية تغالب سحابات داكنة رابضة في السماء ، عاجزة عن بث الدفء في الهواء القادم من ناحية الشمال . لقد شعرت بالبرد يتسلل إلي أطرافي ، ويفرض طقوسه علي ألأشجار والبيوت والمارة في الشوارع . أغلقت زجاج السيارة ، وشغلت التكييف ملتمسة للدفء . فقدت الإحساس بالزمن والمسافات والشوارع ، فقد وجدتني أهيم بلا وجهة علي نحو عبثي بلا علة وبلا غاية . لم تعد لدي رغبة في الذهاب إلي العمل ، أو الإستمرار في هذا العبث ، وقررت العودة إلي البيت . وجدتني جسداً ملقاً داخل السيارة مغمض العينين ، تحسست رأسي فوجدتها ما زالت قائمة بين كتفي ، نزلت من السيارة ، وتحركت إلي الداخل وأنا أشعر بإرهاق من كان يهد جبلا بلا راحة . ألقيت بجسدي علي أول كرسي صادفته في الصالة ، مشوشة الذهن ، مبعثرة الحواس ، زائغة العينين . لا أدري ما علة ما أشعر به ، وأظن أن المشهد برمته غائماً ، وأنني مريضة علي نحو ما ، فجسدي لا يزال محطوطاً غير قادر علي الحركة . تناهت إلي سمعي أصوات غريبة قادمة من غرفة نومي ، فانتبهت وانتبهت معي حواسي ، أصغيت السمع ، والقيت ببصري في اتجاه الغرفة ، فإذا بامرأة تخرج من غرفة نومي ، عارية كما ولدت . دَلفت إلي الحمام . المفاجأة ألجمتني عن الصراخ ، امتلأت أذناي وعيناي برمال ملحية ، لم يقو جسدي علي النهوض ، فجلست أرقب المشهد حتي نهايته ، وقد امتلآ حلقي بالتراب . خرجت المرأة من الحمام ، ورمقتني بنظرة أعرفها ، وأشاحت عني بعينيها ، وهي تضحك ضحكة ممطوطة ، ودخلت إلي غرفة نومي ، إنها هي ، نعم .. هي . تضاجع زوجي ، ترقد في نفس سريري ، تسمع ذات الكلمات ، تتشارك ذات النسمات والهمسات واللمسات . فارت الدماء في عروقي ، وسمعت لفورانها قرقعة بسقف رأسي ، وقد شممت رائحة كبدي يحترق . لملمت بقاياي المبعثرة ، وهربت بها إلي حيث لا أدري ، وجدتني داخل السيارة مرة أخري ، وهي تمرق كالسهم علي الطريق الموازي للبحر الهائج ، والسماء تهطل أمطاراً كالموج ، والسيارة تقاوم بصعوبة ثقل الأحمال المتدافعة من البحر والسماء وعيوني الغائمة . في وجداني يمر شريط الذكريات محترقاً بنيران الخيانة ، ونيران الفقد ، والسيارة تشق طريقها وسط الغيوم والأمواج والعواصف دون اتجاه أو هدف .
حـســـن زايــــــــد

إرسال تعليق

 
Top