إذا
أردنا أن نقدّم تعريفا بسيطا للعمل الأدبي فهو التّعبير عن تجربة شعوريّة أو تجربة
معيّنة في الحياة بكلمات موحية ولا شكّ أن
الكلمة الموحية تترك أثرا بالغا في القارىء، أثرا يشبه اللذّة، فالنصّ الحقيقي على
حدّ تعبير بارت هو النصّ الذي يترك لذّة، و" نصّ اللذّة هو النصّ الذي يرضي،
فيملأ، فيهب الغبطة، إنّه النصّ الذي ينحدر من الثّقافة فلا يحدث قطيعة معها،
ويرتبط بممارسة مريحة للقراءة"، ولعلّ بارت يستخدم مصطلحات جنسيّة للتّعبير
عن علاقة حميميّة يقيمها بين الكتابة والجسديّة، فالكتابة جسد مغر يجد فيه عشّاقه
لذّة لا متناهية، ولذّة القراءة معروفة منذ زمن بعيد، وليس هناك سبب لإنكارها إذ
عبّر عنها في كتابه لذّة النص بمصطلحات جعلت النصّ الأدبي يبدو أشهى وأكثر إغراءا،
ومعروف أن "الأدب الجيّد يهتمّ بالحياة اهتماما ودودا وصارما في الوقت نفسه،
إنه يشكّل التّجربة ويبعدها عنّا على نحو ما، ولكنّه دائما يسلّم بأهمية التّجربة
الإنسانية وقيمتها، وذلك حتى في الحالات
التي يجد فيها كثيرا من الشرّ في هذه التّجربة كما هو الحال في المأساة، وإذا كان
الكاتب ذا خيال موهوب فإنّ عمله يساعد على التّعريف بهذه الأهميّة وتأكيدها، وفي
جلب تلك التّجربة إلينا وهي صافية، وليس معنى هذا القول أن الكاتب الجيّد يجعل من
التّجربة الشرّيرة تجربة خيّرة، ولكنّ ارتياده لها يكون جيّدا مادام يكشف على نحو
أفضل طبيعة الشرّ الذي نعاني منه ونقترفه، فالأدب يسلّم بأنّ تقدّمنا الخلقي يقاس
بمدى تعاطفنا مع المعاناة الإنسانيّة، زيادة على اللذّة والمتعة اللتّان تحصلان مع
القراءة لأنّ النصّ له وظيفتين جمالية وأخلاقية كما ذكرنا سابقا.
ونستطيع
أن نقول بأنّ الأدب هو أكثر الفنون تجسيدا للحياة الإنسانيّة بأفراحها وأحزانها
بنجاحاتها وانتكاساتها، فلا يوجد فنّ أكثر تعبيرا على الإنسان و ما يعانيه من
انتكاسات أكثر من الأدب .
والنصّ
الأدبي طبعا يتميّز بطبيعة تختلف عن طبيعة
النصّ العلمي فهو زئبقي متفلّة ، لا يستطيع القارىء اكتناه جماليّاته من أوّل وهلة وهو عصيّ على أن
يقدّم نفسه بسهولة، وفي نفس الوقت فهو يثير القارىء ويستفزّه ليتسلّح هذا الأخير
بمعاول نقديّة لكشف المستور، وهذا ما يعنيه تودوروف عندما قال بأن الخطاب الأدبي
يختلف عن الخطاب العادي بكونه غير شفاف يحتاج إلى التأويل للوصول إلى المعنى بينما
خطابات التواصل اليومي سهلة الفهم تعطيك المعنى دون جهد .
والخطاب
الأدبي يستدعي خطابا آخر هو خطاب النّقد الذي يحاول بدوره كشف جماليّاته، فالكتابة
الأولى تستدعي كتابة ثانية ناتجة عن فعل القراءة، هذه الكتابة الثّانية تسمّى نقدا
سواء كانت تعليقا على الشّكل أو على المضمون، وقد شاع عن بعض النقّاد أنّهم حين
يكتبون نقدا كأنمّا يكتبون إبداعا خالصا ومنذ ذلك الحين طرحت مشكلة جديدة، هل
النّقد علم أم هو إبداع خالص، على اعتبار أنّ هناك من يكتب نقدا يشبه النصّ
الإبداعي الأصلي في جماله و جاذبيته وهناك من يكبّل النّشاط الأدبي بقيود ثقيلة ،
و قد رأينا أنّ بعض الأعمال النّقدية التي طبّقت المناهج النصية تطبيقا آليا صارما
قد أفسدت النصّ الأدبي و نفّرت القارئ من النّقد و من النصّ أيضا .
والحقيقة
أنّ النّقد لا يمكن أن يكون إبداعا لسبب بسيط، هو أنّ النّص الإبداعي ينطلق من
الخيال والموهبة والحياة الإنسانية، أما النّقد فينطلق من النّص الأدبي محاولا
منافسته في خصوصيّة لا يمكن أن تكون له وهي الإبداعيّة، لأنّ لكلّ مجال خصوصيّاته
التي تميزه عن غيره، حاله حال كلّ الأنشطة الإنسانيّة، وهذا ما ذهب إليه النّاقد
عبد الملك مرتاض إذ رأى أن "الإبداع الأوّل هوكتابة أدبيّة تنهض على الخيال
الخالص، ويجب أن يتّسم نتيجة لذلك بالسّمات الجماليّة والإنشائيّة والشعريّة
الرفيعة، في حين أن النّقد ينهض على كاهل الإبداع الأوّل، وسيكون من العسير عليه
أن يكتسي كلّ الصّفات والخصائص الجماليّة والشعريّة التي يكتسبها الإبداع بمفهومه
العام، وعلى الرّغم من هذا فالنّقد يلتقي بالعلميّة في نقاط عديدة، كما أنّه يلتقي
بالإبداعيّة في نقاط أخرى، فنستطيع أن نقول أنّه علم حين يطبّق مناهجه الصّارمة
على الإبداع ويسعى إلى تأسيس أحكامه بتطبيقه لمناهج تتأسّس على اللّسانيّات، وهو إبداع حين يتطلّع
إلى أن يجعل من قراءة نصّ من النّصوص الأدبيّة إبداعا خلاّقا و نصّا لذيذا ، لكن
إبداعيّة النّقد تظلّ نسبيّة جدّا مقارنة بالنصّ الأدبي، كما أنّ علميّته نسبيّة
أيضا لأنّ المناهج الصّارمة التي تطبّق آليا أثبتت فشلها في مداعبة النصّ الأدبي
إذ أثقلته بالمنحنيات و التشجيرات و النّسب المئوية و كأنّ الأمر يتعلّق بعلم من
العلوم الدّقيقة .
و في الحقيقة فإنّ الأدب قد قسّمه
النّقد الحديث إلى ثلاثة أنواع بناء على تقسيمات الألماني غوته ، إذ نميّز ثلاثة
أجناس كبيرة هي السّرد و الشّعر و المسرح ، أمّا الأنواع التي تندرج تحت هذه
الأجناس فتتغيّر باستمرار محافظة على خصائصها الأساسية بالرّغم من قول بعض النقّاد
بزوال الحدود بين الأنواع الأدبيّة ، إذ نجد مثلا نوع " البوئيم " هو
عبارة عن قصّة تروى شعرا و لأنّ السّرد واضح في هذا النّوع فالنقّاد
ينسبونه إلى الجنس الأدبي الثّاني و هو جنس الأدب السّردي .
و تبعا لتلك الأنواع الأدبية تنبني
النقود ، و لذلك نستطيع أن نقول بأن النقد الأدبي ليس بالأدب رغم جمالياته و ليس
بالعلم لأنه بالرغم من كثرة التشجيرات و المنحنيات فيه إلا أنه ليس علما دقيقا
كالرياضيات أو غيرها ...

إرسال تعليق