GuidePedia

0
حـســـن زايــــــد .. يـكـتـب :
الـعـــبور الـثــانـي .. بــين الواقع والمأمول
بعد زلزال رفع الدعم ، وما تبعه من تداعيات اشتعال الأسعار ، حسناً فعل الرئيس السيسي بخروجه علي الأمة ، بكلمة بمناسبة انتصار العاشر من رمضان " نصر اكتوبر" . وقد كان خروجه ضرورياً ولازماً وحيوياً لأن الزلزال الذي ضرب الدعم ، يتعارض في تداعياته مع ما وعد به الشعب ، وما وقر في قلوب الجماهير من انحياز الرئيس للطبقات الفقيرة ، ومن هنا كانت الصدمة ، صدمة المفارقة بين الواقع المعاش في ظل رفع الدعم ، وما كان مأمولاً من رفع المعاناة ومكابدة أسباب الحياة . وقد ربط الرئيس بين فترتين من أصعب وأحلك اللحظات التي مرت بها مصر في عصرها الحديث ، الأولي كانت إبان هزيمة يونيه 1967 م ، تلك الهزيمة التي أتت علي الجيش المصري وأسلحته ، وقد جاءت تلك الهزيمة في فترة كانت الأمال فيها عريضة ، والتطلعات عالية ، والطموح لا حدود له . فإذا بواقع الهزيمة يحول تلك الأمال والتطلعات والطموحات إلي حطام وكوابيس ومرارة وألم وانكسار ، وأصبحت الأمة الوليدة بلا جيش يحميها ، في ظل وجود قوي دولية متربصة لا تريد بها خيراً . ولما كانت هذه الأمة أمة لها تاريخ سرعان ما تعالت فوق الجراح ، ونادت في زعيمها الذي أعلن تنحيه بأنها ستحارب . أمة نازفة لاتزال دماء شهداءها ندية علي الرمال لم تجف بعد تصرخ في قادتها رافضة الهزيمة والإستسلام ، تضرب صرخاتها جنبات الأرض ، وتشق عنان السماء ، سنحارب . أمة تنهض من تحت رماد المعارك التي طحنت جيشها علي رمال الصحراء تطارد أفراده طائرات العدو ، وتحصدهم حصداً ، لتقول : لا . هذه الأمة ربطت علي بطنها سبع سنوات عجاف ، تحول إقتصادها إلي اقتصاد حرب لإعادة بناء الجيش ، درع الأمة وسيفها الذي انكسر . ومعني إقتصاد الحرب لمن لا يعرف من الأجيال الشابة ، تحويل اقتصاد الدولة ومؤسساتها وقدراتها ومواردها المادية والبشرية وقوانينها لتوفير حاجات حرب طويلة الأمد وتحقيق أهدافها ، وهذا يتطلب حالة من حالات التقشف الإقتصادي غير المسبوق ، وما يتبعه من معاناة قاسية ، وظروف غاية في التشظف ، والألم والمرارة . وليت الأمر اقتصر علي مجرد تجهيز الجيش للحرب وإعادة بناءه ، وإنما كان مطلوباً خوض حرب استنزاف للعدو بقصد النيل منه ، وجعل بقاءه علي الأرض المصرية مؤلماً ومكلفاً . وبطبيعة الحال فإن حرب استنزاف العدو هي استنزاف لنا كذلك ، إلا أن كسر حاجز الخوف في نفوس جنودنا من العدو الذي لا يقهر كان أمراً لا مفر منه . ومرت السنوات السبع ثقيلة متكاسلة كئيبة ، زاد من ثقلها وفاة الزعيم / الحلم والأمل قبل أن تتحرر الأرض . كان الهاجس المخيف الذي يطارد المصريين في النوم واليقظة هو الخوف من الهزيمة مرة أخري . وقد واجه الرئيس السادات رحمه الله ثلاث حواجز تحول بينه وبين اتخاذ قرار الحرب ، الحاجز الأول : حاجز الخوف ، والحاجز المائي الذي قيل عنه بأنه سيحول الجنود المصريين إلي شواء يجذب أسماك البحرين إلي التهامه ، والحاجز الثالث : خط برليف الذي قيل بأنه يحتاج إلي قنبلة ذرية لفتح ثغرة فيه يعبر من خلالها المصريون . وكان الخيار بين الوجود والعدم . وتحقق للشعب ما أراد . هنا ، في هذا العبور كانت المسافة شاسعة بين الواقع والمأمول ،فالواقع كان مريراً ، والمأمول كان مستحيلاً ، والرهان كان علي الشعب وإرادته ، فعبر الشعب تلك المسافة بين الواقع المرير والمأمول المستحيل . فهل للشعب المصري أن يفعلها مرة أخري ؟ . لقد أشار الرئيس السيسي في كلمته بأن هناك حرباً تخوضها مصر اليوم وغدا ، هي معركة البناء ، تعيش مصر ذات التحديات التي عاشتها في أعقاب النكسة ، تكون أو لا تكون . وأنه اتخذ قرار تحريك الأسعار أو رفعها لا كرئيس لمصر ، ولكن كمواطن مصري وطني ، لا تحكمه اعتبارات الشعبية ، أو الموائمات السياسية ، وإنما تحكمه اعتبارات الوطنية ، والخوف علي الوطن . ومن يتصور أن الأمر ينطوي علي مبالغات من جانب الرئيس قد تغافل عن حديث الأرقام ، والأرقام كما يقال لا تكذب . فمصر واقعة داخل دائرة الفقر ، ومثلها في ذلك كمثل الموظف الذي يمد يده إلي زملائه لتغطية نفقاته الشهرية ، وفي نهاية الشهر يقوم بتوزيع مرتبه سداداً لمديونياته ، فإذا زادت النفقات عجز الراتب عن الوفاء بالمديونيات ، وضاقت الدائرة عليه فلا يستطيع منها فكاكاً ، ولا من وطأتها انعتاقاً ، حتي يختنق ويموت فعلاً أو حكماً . تلك هي المعضلة . وليس إلي خروج من سبيل سوي اختراق الدائرة وكسر طوقها ، ولا يكون ذلك إلا بالتخلص من النفقات التي لا لزوم لها ، بل وبعض النفقات التي يمكن التنازل عنها ، والتضحية ببعض الضرورات إذا لزم الأمر . وأنا أتصور أن الشعب الذي عبر العبور الأول كفيل بأن يفعلها ثانية ، ويعبر العبور الثاني ، بنفس ظروفه وملابساته وتحدياته وكلفته . إلا أن هناك فارقاً جوهرياً بين العبور الأول والعبور الثاني ، يتمثل في أن العبور الأول تحمل كلفته الجميع علي نحو عادل . وهذا يقتضي أن يكون العبور الثاني بذات الإشتراطات التي صاحبت العبور الأول . وأن تبحث الحكومة في آلية إقتصادية تحول بين الأغنياء وبين التهام ما تبقي من الدعم من ناحية ، وأن تفرض الضرائب التصاعدية مع تحصيل ما تم التهرب من دفعه منها ، بعد فتح ملفات التهرب الضريبي من ناحية أخري . ولا تركن الحكومة إلي تدخل الجيش في الأزمة بتوفير وسائل المواصلات أو السلع ، وإنما تسعي لتفعيل دور الدولة كمنافس حقيقي ومؤثر في مجريات السوق علي نحو يعيد التوازن إليه كإنشاء شركات للنقل الجماعي بديلاً عن النظام العشوائي السائد الآن . وأن تصدر التشريعات اللازمة للحيلولة دون انتشار الفساد ممن يجيدون الصيد في الماء العكر .
حــســــن زايــــــــد

إرسال تعليق

 
Top