GuidePedia

0

قصة قصيرة بقلمي
***********عنقود العنب*******************
قصة من واقع حياة
****************************************
طه هيكل
*******************************************
حافي القدمين بجلباب شحب لونه ولم يعد يستر كامل البدن حتى يخيل إليك أنه ليس له بل لأخيه الأصغر وتنتشر على جانبي الثوب فتحات طولية متفرقة على جسر طويل ممتد شرقا وغربا أنشئ ليحمي القرية من فيضان النيل في عصر ماقبل السد العالي
يحدثه أبوه في أوقات متفرقة عن الخسائر التي لحقت بالمباني الملاصقة للنهر وكيف كان هذا الجسر طوق نجاة للقرية من خسائر تعجز عن الوفاء بها متطلبات الحياة اليومية والأفواه الجائعة وضيق ذات اليد ******
يسير على الجسر الممتد في جو خانق ولهيب شمس تخترق الجسد الناحل بالجلباب المتهالك وينتعل الأرض فتخترق حرارة الأرض باطن القدمين حتى أنها تكاد تصل إلى منتصف الساقين جو ملتهب وجسد ناحل وفقر شديد وتصميم على الخروج من الأم لشراء العنب من الجنينة كما يطلقون عليها في القرية
الطريق طويل والجسر كأنه جمرة توقدت فزفرت لهيبا يحسه في وجهه
في قرية من قرى دلتا النيل كان يخرج كل يوم مع أمه ومعهما الأخت الكبرى يمرون برفاق السوق ويطلق عليهم اسم البياعين خالتي عزيزة وبنتها وأختها
فوج يخترق الأزقة الضيقة للوصول الى الجسر ويصل الموكب إلى الطريق الملتهب يصعدونه كأنه سلم متدرج يقدر بخمس أو ست درجات ويتجهون شرقا في طريقهم إلى الجنينة وفجأة يسمع صوت سيارة ضخمة محملة بالماء وتترك خلفها خطا عريضا مزدوجا من الماء فيسمع وقع صوت الماء على أرض الجسر الملتهبة كأنه طفاية حريق تخمد نارا مشتعلة
فيقتفي أثر الماء وتخاطبه الأم مشفقة عليه منكرة هذا التصرف الطائش من وجهة نظرها وهي التي تلبس في قدميها شبشبا بلاستيكيا لايكاد يغطي ظاهر القدم من كثرة انتعاله
مشقوق من الجانبين فيرجوها أن تكف عن هذه النصائح وربما يحسدها على ما يقي رجليها من حرارة الجسر فتعلل منعها إياه بأن وضع القدم في مكان بارد قليلا بعد أن كان في جمرة ضرره أخطر ألف مرة من السير على أشواك فتنهره بقولها رجليك هاتبقبش يعني هاتتورم ويتجمع فيهما أثر اللهيب فتظهر ككرات بلورية شفافة كالحمم عندما يأتي المساء
ثم تأتي النزلة الى الجنينة كأنها هبوط إلى الجنة بعد رحلة مريرة طالت فيها الصيحات والتنهدات والبكاء والنحيب
أشجار الموز تقف مرحبة بالزائرين الذين يشترون العنب من المزرعة ويبيعونه بالسوق بهامش ربح بسيط وأحيانا بخسارة فادحة إذا زاد العرض وقل الطلب وكانت تحدث كثيرا
يترك أشجار الموز ليخرج إلى ممر جديد ضيق أخف وطأة من الجسر لقربه من الأشجار
وحفيف الشجر مع أصوات الغربان تحدث سيمفونية حزينة تختلط الأصوات فيجد صداها عندما يهجع ليلا لينام وسط كومة من الإخوة والأخوات فيفزع مرات ومرات من أثر الصوت
ويجد نفسه فجأة وسط عالم جديد عربات كارو وبعض الباعة يشترون والعمال يحملون الأقفاص على أكتافهم أوعلى رءوسهم والأقفاص ضيقة الفتحات لاتسمح بسقوط حبات العنب الفرط كما يطلقون عليه ومابين الفتحات أوراق العنب الخضراء العريضة التي تحمي العناقيد من التلف
تفاجئه صاحبة الجنينة بترحاب غريب لم يعتد عليه وفي يديها عنقود من العنب الناضج الذي اقتطف قبل دقائق فيتناول حبة وحبة يستسيغه في أوقات متفرقة يقتل بها الوقت حتى يحين موعد الرحيل فتتهلل أسارير الأم والأخت معا لكرم صاحبة الجنينة وعطفها على الصغير وإيثاره بعنقود يمثل عنده كنزا لا يقدر بمال
وبعد سنوات يخبئ له القدر مفاجاة مذهلة بعد أن ذاع صيته واشتهر بين أقرانه بإجادته التدريس فيدخل إلى البيت الكبير الذي طالما سمع عن أصحابه وكيف يعيشون في عالم كان خيالا بالنسبة له وبنفس الترحاب تتقدم صاحبة البيت بالتحية للمدرس الذي كان يأتي حافي القدمين إليهم مع أمه مارا برحلة عذاب تتكرر
فتأتي بعنقود عنب على صينية لامعة وقطرات الماء على حافة العنقود فيدرك أنه مغسول بعناية فائقة ليقدم للضيف وهو الذي كان يتناول حبات العنب يمسحها في طرف ثيابه الممزق وعينه مصوبة إلى أعلى ليرى العناقيد تتدلى منتظمة صفوفها كأنها لوحة من جمال
بديعة الصنع ويتذكر وهو يقوم بالتدريس لأبناء تلك الاسرة الخط العريض الممتد في منتصف الجسر وهو يبرد قدميه الحافيتين وأمه تنهره بشدة خائفة عليه
طه صلاح هيكل


إرسال تعليق

 
Top