GuidePedia

0



قصة قصيرة
................
نعم إنه الحب
بينما كنت جالسا تحت نخلة زرعها جدّى منذ سبعين عاما أستظل بظلها وآكل من ثمرها وأستمتع بنسيم أوراقها ، ولكن ليست هذه المهمة الأساسية التى ارسلنى ابى من أجلها ، إنها حقا كانت مهمة غريبة فقد أرسلنى أبى لحماية هذه النخلة من السرقة، ولأنها قصيرة القامة وكنت أجنى ثمارها وأنا واقفا على الارض فكانت من السهل سرقتها لكن الغريب أنها لم تُسرق فى عهد جدّى الذى توفى منذ سبع سنوات
ولذلك كنا لا نقوم بحراستها .
كان جدّى عندما يجنى ثمار تلك النخلة يوزعه كله على الفقراء والمساكين وكان ذلك يثير إندهاش الجميع ،وغضب جدتى وأبى .
وبعد وفاة جدّى وفى اول موسم ثمرت فيه النخلة ،جنيناها سويا أنا وإخوتى الست فى يوما واحدا، وباع أبى ثمار النخلة وترك لنا نصيا ولم يعطى للفقراء شيئا أبدا ولكن لم يدم ذلك طويلا فكان هذا هو الموسم الوحيد الذى جنينا فيها ثمارها وبعد ذلك كانت تُسرق النخلة كل عام.
ولأننا كنا ستَ إخوة فقرر أبى أن نحرس النخلة فى موسم ثمرها لينضج تحت حراستنا وبعذ ذلك نقوم ببيعه .
فوزعنا أبى لحراسة النخلة كل واحد منا يوما فى الاسبوع وهو أيضا يحرسها يوما، ولكن الغريب اننا برغم كل حراساتنا المشددة لها كان يتقص منها بعض الثمار يوما بعد يوم
كيف كانت تُسرق النخلة بالرغم من كل هذه الاحتياطات والحراسات؟
ولكن الأغرب من ذلك انه بعد سبع سنوات لم تصادف أبدا أن اكون أنا القائم بدور الحارس وتسرق فى وجودى ،وهذا كان يثير اندهاش ابى وإخوتى الخمس.
جاء دورى فى الحراسة وغربت الشمس وجاءنى القمر فى زيارة سريعة كما يأتى كل ليلةعندما أكون حارسا،وكنت أعشق الليل لأنه حتما سيأتى اللص ليلا وهذا هو المعروف والمنتشر ،ولأننى كنت اعشق المغامرات فكنت أنتظر اللص وأتخيله عندما يأتينى وندخل سويا فى نقاش ويطلب منى أن أرحل عن المكان وأتركه ليحصد الغنائم وإلا قتلنى، لكنه كان كل ليلة يخيب ظنى ولا يأتى.
كنت أعشق الليل وأستمتع به ولا أشعر بمروره لأننى كنت أقضيه فى كتابة الرسائل لحبيبتى لأطمأنها عليّ ،وكيف قضيتى هذا اليوم الشاق وبالطبع لم تخلوا خطاباتى من كلام الغزل والغرام لكى أصف الحب الذى بداخلى .
وفى ليلة كان فيها القمر مكتملا ،ولأول مرة أتكاسل عن كتابة خطابى اليومى لحبيبتى
لأنى كنت متعبا جدا وبعد أن امسكت بالقلم والورقة ،تركتهما مرة أخرى وهممت للنوم تحت النخلة .
وفجأة جاءتنى إمرأة عجوز أعرفها جيدا ورأيت ملامحها كاملة بالرغم من أننا كنا فى المساء ولكن نور القمر جعلنى أرى ملامحها وكأننا ظهرا.
هذه العجوز تمتلك نخلة بجوار نخلتنا ، ولكن ما الذى أتى بها الى هنا فى هذا الوقت المتأخر فإن نخلتها لم تُسرق كما يحدث معنا ،لتأتى لحراستها
وبالطبع لم اشك لحظة أنها أتت لسرقة نخلتنا.
فقالت لى فى هدوء تام _ لا تترك حبيبتك قلقة عليك وأكتب لها رسالتك فنظرت اليها بإندهاش وعيناى تمتلأ بالأسئلة _ ما الذى أتى بها إلى هنا فى هذا الوقت المـتأخر ومن أين علمت أننى أكتب رسالة لحبيبتى_، فجلست بجوارى بكل هدوء ، وافتتحت حكايتها بأنها جدّة حبيبتى وهذا شيئا لم أكن اعرفه من قبل ، وكان تحكى لها حفيدتها ما يحدث بينى وبينها .
ولكن السؤال مازال يدور فى رأسى ما الذى أتى بها إلى هنا ؟!!!
وحينما رأت شفتاى اوشكا على السؤال فأراحتنى وأجابت قبل أن أسال،
قالت أنها وهى فى شبابها كانت على علاقة غرامية بجدّى وكانت تعشقه وكانت هى حبه الأول والاخير ،
والنخلة التى أتيت أنا لحراستها قد زرعوها سويا وتعاهدوا فى ما بينهم أنها إذا اثمرت فستكون ثمارها للفقراء وبالفعل كان جدّى يفعل ذلك ولكن بعد وفاته لم يعطى أبى من ثمارها شيئا للفقراء قط . فعندما علمت ففكرت أن توزع تلك الثمار بنفسها ، حتى لو كانت بالسرقة فقلت لها فكيف كنتى تجنين الثمار فى وجود أخ من اخواتى الست أو فى وجود أبى
فقالت: كنت آتى لأى أخ من إخوتك وأُفزعه بملابسى السوداء الغريبة وبصوتى الذى كان يشبه صوت الذئب كثيرا وذلك ما علمه لى جدّك فى شبابنا وكان هذا الصوت يرعب من كان موجودا للحراسة ويفر هاربا
فقلت لها ولماذا لم تأتى أبدا فى وجودى _قالت لأنك تكون منشغلا طوال الليل لكتابة خطاباتك لحبيبتك ،ولأننى أُقدس الحب وأعلم جيدا كيف يكون الحبيب مشتاق لرسالة من حبيبه فقد كنت خائفة أن اقطع عليك كتابة الخطاب
فكنت أعود مرة أخرى وآتى فى يوم آخر ،وهذا هو الحب الذى علمنى جدّك إياه .
فأصابنى الذهول وهممت واقفا مقبلا يداها وهى تبكى حزنا على جدّى وجنيت معها ثمار النخلة وحملته إلى بيتها لتوزعه على الفقراء .
نعم انه الحب

إرسال تعليق

 
Top